"فأما البخاري -وهو أعلاها رتبة- فاستصعب الناس شرحه، واستغلقوا منحاه من أجل ما يحتاج إليه من معرفة الطرق المتعددة ورجالها من أهل الحجاز والشام والعراق، ومعرفة أحوالهم واختلاف الناس فيهم، ولذلك يحتاج إلى إمعان النظر في التفقه في تراجمه؛ لأنه يترجم الترجمة ويورد فيها الحديث بسند أو طريق، ثم يترجم أخرى ويورد فيها ذلك الحديث بعينه لما تضمنه من المعنى الذي ترجم به الباب، وكذلك في ترجمة وترجمة إلى أن يتكرر الحديثُ في أبواب كثيرة بحسب معانيه واختلافها" [ص414] .
ثم يمضي ملخصًا هذا المنهج ونتائجه قائلا:"واعلم أن الأحاديث قد تميزت مراتبُها لهذا العهد؛ بين صحيح وحسن وضعيف ومعلول وغيرها، ولهذا كان الأئمةُ في الحديث يعرفون الأحاديث بطرقها وأسانيدها، بحيث لو رُوي حديثٌ بغير سنده وطريقه يفطنون إلى أنه قد قلب عن وضعه، ولقد وقع مثلُ هذا للإمام محمد بن إسماعيل البخاري حين ورد على بغداد وقصد المحدثون امتحانَه فسألوه عن أحاديث قلبوا أسانيدها فقال: لا أعرف هذه ولكن حدثني فلان، ثم أتى بجميع تلك الأحاديث على الوضع الصحيح، وردَّ كل متن إلى سنده، وأقروا له بالإمامة" [ص415] .
ويقول أبو الأزهر:"كان بسمرقند أربع مئة ممن يطلبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق، وإسناد اليمن في إسناد الحرمين فما تعلقوا منه بساقطة لا في الإسناد ولا في المتن".
يقول أحمد أمين في كتابه (ضحى الإسلام) معلقا:"وقد رزق البخاري خصلتين بارزتين مكنتاه من أن قرب من غرضه:"
أ- حافظة قوية لاقطة وخاصة فيما يتعلق بالحديث.. وكان يستعين على حفظه بالتقييد وكثرة الفكر، فقد رووا عنه أنه كان يقول:"ما تركتُ حديثًا في البصرة إلا كتبته".. وذكر عنه أنه كان يقوم في الليل مرارًا يأخذ القداحة فيوري نارًا ويسرج ثم يخرج أحاديث فيعلم عليها ثم يضع رأسه!.