أما قصة"من غير كلام -3"فهي شهادةٌ عظيمةٌ من شهادات برِّ الوالدَين، وهي تُحدِّثنا بضمير المتكلم, كالقصتَيْنِ السابقتَيْنِ عن شابٍّ مسلم مغترِب للدارسة في ألمانيا بارٍّ بوالدته المُقْعَدَةِ، فهو يَخْدُِمُها، ويُخْرِجُها معه بسيارته، ويأخُذُها إلى الحديقة، ويقبِّل يدَيْها ورأسَها دائماً, طالِباً رضاها، وكان جاره الألمانيُّ رجلاً كبيرَ السنِّ, يعيش وحدَه بعد أن طلَّق زوجتَه، وتُرِكَ من ابنه وابنته، كان يُراقِب هذا المشهدَ العجيبَ من البِرِّ يوميّاً، فسأل جارَه عن هذه المرأةِ التي يَخْدُِمُها دون كَلَلٍ أو مَلَلٍ، وكم تدفع له من الأجرة؟
فقال له: هي والدتي. ودعاه للدخول عنده، وشُرْبِ قَدَح منَ القَهْوَة، ثم حدَّثه أن بِرَّه بوالدته من أساسيات الدين الإسلامي مستجيباً لأمر الله، ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وأنه يَعُدُّ ذلك نِعْمَةً كبيرةً أنْعَمَها اللهُ عليه لينال رضا اللهِ, ثم رضا هذه الأمِّ، وهو يَبَرُّها بِكُلِّ سعادة ومحبة، سائلاً اللهَ أن يَبَرَّه أبناؤه عندما يَكْبَر، مما جعل هذا الألماني يَقرَأُ عن الإسلام، ويُعْجَبُ به، ثم يُعْلِن إسلامَه.
وقفات وإشراقات:
استطاع القاصُّ د. عبد الله العريني أن يَرْبِطَ رَبْطاً مُحْكَماً بين قِصصه، فالجوُّ العامُّ جوٌّ واحدٌ، هو جوُّ الغربة، أما العلاقاتُ الاجتماعية بين أبطال قِصصه والآخَرِينَ فكانت علاقاتٍ باردةً في كثير من الأحيان، وكان هؤلاء الأبطالُ يبادرون بالفعل, لا بالقول؛ لإنعاش هذه الصلاتِ مع الجيران، وهم يُلِحُّون على عَظَمَة القِيَم الإسلامية من: تآزُرٍ, وأُخُوَّةٍ بين المسلمين، وإحسانٍ للجيران، وبرٍّ بالوالدين، وتسامحٍ، وحبِّ الهداية للآخَرِينَ، وقد وُفِّقَ القاصُّ في المزاوجة بين السرد الوصفي والحِوار في نُمُوِّ الأحداث وتطوُّرها.
كما بدَتْ لغتُه سهلةَ التراكيب، عفويةً دون تكلُّفٍ أو غوص إلى الغرابة.