وتوقَّف تقريبًا تكوينُ عُلماءَ جُدُد [3] ، وهكذا دخل العلماء الذين صنعوا المغرب، وحكموه على مرِّ التَّاريخ في طَوْرِ الانكماش والانسحاب والانهزام، وأصبح انقراضُهم، أوِ انقراضُ دورهم مسألةَ وقت، هو على كل حال ليس بالطويل، هكذا كان الأمر يسير.
تصوَّروا معي، ماذا لو استمرَّ هذا الوضع وسار نحوَ نتيجتِهِ المحتومة، ماذا لو لم تأتِ الصَّحوة الإسلاميَّةُ التي قلبتِ المسار؟ وهذه ثالثة.
4-التَّدين الفِعْليُّ في المجتمع، كان آخِذًا في الشَّيخُوخة والذُّبُول؛ لقد أصبح التَّديُّن سُلوكًا مُتلاشيًا، ورُوتينيًّا تقليديًّا، وشأنًا من شُؤون الشيوخ، أو بعضِ الكُهول بنسبة أقلَّ، أمَّا تَدَيُّن الشَّباب وخاصَّة مِنْهُمُ المُثقَّفين، فقد كان آخذًا في التَّراجُع مُتَّجهًا نحوَ الاختفاء، وباختصارٍ جاءتِ الحركةُ الإسلاميَّة فقامت بعمل لا يعلم قَدْرَهُ وفَضْلَه إلاَّ اللهُ تعالى؛ لقد قامت بتَشْبِيبِ التَّدين، وبتجديد التَّديُّن، وبنفخ الروح في التَّديُّن، وبدأ الشَّباب بالمئات وبالآلاف يعُودون إلى عقيدتهم، وإلى ربهم، وإلى دينهم وثقافتهم بعد أنِ اجتالتهمُ الشَّياطين.
تصوَّروا معي ماذا لو لم يقع هذا؟ ماذا لو استمرَّ المسارُ الآخَرُ؟ ماذا لو وقع التاريخ الذي لم يقع؟
هذه المسارات كلُّها وأخرى غيرها، كانت قد قطعت أشواطًا، وأصبحت جزءًا بارزًا من واقع المغرب ومن تاريخ المغرب، وكان من الطبيعيِّ جدًّا أن تستمرَّ وتمتدَّ وتشتدَّ، لولا لُطْفُ الله، ولولا دعاءُ من دَعَوْا ويدعون"اللَّهُمَّ يا لطيفُ، نسألُكَ اللُّطْفَ فيما جَرَتْ به المقادير".
وباختصارٍ مرَّةً أُخرى: جاءتِ الحركةُ الإسلاميَّةُ فأَرْبَكَتْ، وغَيَّرَتْ هذه المساراتِ السَّوداءَ؛ ولكنَّ المعركةَ لا زالت قائمةً، واللهُ غالبٌ على أَمْرِه.