وفى مرحلة الاستعمار القديم كان الاعتماد فيه القوة التدميرية والفرض العسكري للأمور، ولكن تغير الأمور في المجتمعات الغربية من شمول العلمنة فيها لجميع مناحي الحياة، وكذلك ظهور قوى أخرى في العالم ليست عربية أدى ذلك إلى تغيير أسلوب الممارسة الذي كانت تفرض به العلمانية على العالم بما يوافق المرحلة الحالية.
فالغرب أدرك عمق أزمتها العسكرية والثقافية والاقتصادية وأحس بالتفكك الداخلي وبعجزه عن فرض سياساته بالقوة، فلابد من تغيير الاستراتيجية التي يفرض من خلالها العلمانية في العالم الإسلامي.
الأزمة العسكرية يمكن إيضاحها بالنقاط التالية:
-فبسبب الحرب الباردة خرجت منها أمريكا منهكة اقتصادياً، هذا مع أن الحروب الحديثة أصبحت مكلفة للغاية مما يجعل من الصعوبة على الشعوب الغربية القبول بتخصيص اعتمادات عسكرية كبيرة.
-وكذلك تراجعت القدرات العسكرية للاستعمار الغربي بسبب تصاعد معدلات العلمنة والتوجه الحاد للإنسان الغربي نحو المنفعة الشخصية واللذة المباشرة التي لا يمكن إرضاؤها إلا بالإشباع الفوري وقد أدى هذا إلى انخفاض الروح النضالية لدى الإنسان الغربي وإلى ارتفاع تكاليف الحملات العسكرية.
-وكذلك تراجعت الهيمنة العسكرية الغربية بسبب ظهور دول لها قوة عسكرية ضاربة وقوة نووية غير خاضعة للهيمنة الغربية ولأجل ذلك نعرف مدى رفض أمريكا الحصول على القوة العسكرية لمن هو خارج المنظومة الغربية.
-مع إدراكهم عبث المواجهة العسكرية مع القوى المجاهدة غير الرسمية وظهور أسلحة دمار رخيصة لا يحتاج مستخدمها إلى تخصص أو دورات تدريبية.
أما على المستوى الثقافي: تراجعت المركزية العسكرية مع القوى المجاهدة غير الرسمية وظهور حركات البعث؛ بسبب تزايد الوعي بالذات الثقافية وبسبب أزمة الغرب الذي لم يعد نموذجاً جذاباً، كما كان في الستينات بل وظهور أقليات ثقافية أثنية داخل العالم الغربي ذاته لا تقبل بهيمنة الثقافة الغربية.