أولاً: الاستعمار القديم والحديث: [15] العلمانية والإمبريالية صنوان ولا يمكن أن نفرق بينهما لأن الإمبريالية هي نتيجة طبيعية للعلمانية وممارسة لها، فالعلمانية حولت العالم إلى مادة استعمالية، والقيم المسألة نسبية، وجعلت الصراع الآلية الأساسية حسم كل التناقضات أي أنها ولدت عقلية إمبريالية هيمنت على الإنسان الأوروبي ودفعت به إلى غزو بقية العالم والاستيلاء عليه واقتسامه فيما بينهم، ونهب المصادر الطبيعية والبشرية لكل شعوب الأرض، وقد أفرزت هذه النظرة الإمبريالية رؤية عنصرية قامت بتصنيف الناس على أساس صفات مادية كامنة فيهم: حجم الجمجمة، لون الجلد... الخ.
فنظرت إلى الشعوب غير الغربية وأراضيها ومواردها باعتبارها مادة استعمالية يمكن للغرب أن يوظفها لحسابه.
ولقد قام الغرب في مرحلة الاستعمار القديم- حتى يتسنى له استغلال العالم العربي الاستغلال الأكمل ويضمن استمرار هذا الاستغلال- بالقضاء على كل المؤسسات الحكومية والأهلية التقليدية التي كانت تنظم الحياة السياسية والاجتماعية لشعوب العالم العربي. وغيرت نظام التعليم ومعمار المنازل وتخطيط المدن وإعادة صياغة البنية الاقتصادية والسياسية والقضاء على النخب السياسية والثقافية التقليدية، وأحلت محل كل هذا مؤسسات يديرها مديرون أجانب وزودتهم بأدوات القمع والإكراه للحفاظ على الأمن الداخلي وكل هذا يتم لمصلحة الدول الغربية وهي عمليات علمنة دون تحديث، فالعلمنة تقوم بتفكيك أوصال المجتمع وهذا ما يخدم مصالحها.
ثم جاءت مرحلة الاستقلال ولم يتغير الأمر كثيراً إذا جاءت نخب محلية صعدت من عمليات التفكيك بالقضاء على البقية الباقية من الجماعات المدنية وزادت هيمنة الدولة القومية.