فهرس الكتاب

الصفحة 4557 من 19127

وبالتالي فظاهرياً يبدو الإنسان حراً في المجتمعات الرأسمالية الحديثة. ولكنه في الواقع مقيد بالأصفاد دون أن يدري. وهذا ما برهن عليه ميشيل فوكو في كتابه الشهير (المراقبة والعقاب) فقد درس آليات السلطة في المجتمعات الأوروبية واكتشف أن الإنسان كان أكثر حرية في العصور السابقة لأنه كان يستطيع أن يهرب من السلطة. أما الآن فإن آليات التدجين والمراقبة السلطوية قد انتشرت في كل مكان، ولم يعد بإمكان أحد أن يفلت منها. ولهذا السبب قال فوكو عبارته الشهيرة:"إن الأنوار التي خلقت الحريات هي التي خلقت السلاسل والأغلال أيضاً [9] "

إذن أصبحت الحداثة سجن وأصبح ما بعدها هو الملاذ فأصبح القوم يبشرون بأن هناك في مجتمع ما بعد الحداثة انفتاح فكري ومرونة فكرية، وأن ما بعد الحداثة لا تصدر أحكام كلية حتى لا يصاغ الناس وأفكارهم بصياغة واحدة، وأهم ما يبشرون به هو أن الإنسان سوف يكون في استطاعته اختيار مصيره، وسوف يتضح عن عرض ما بعد الحداثة أن ما يقولونه ما هو إلا وهم والواقع يزداد تعاسة.

ما بعد الحداثة نظرتها للإنسان: [10] النظرة لا تختلف عن النظرة الحداثية بأن الإنسان تحكه القوانين الطبيعية. ولكنهم يرون أن الإنسان أقل من أن يربط بقوانين الطبيعية العامة بل هو مربوط بالأثر الاجتماعي وخاصة الأثر اللغوي.

فهم يرون أنه لا توجد ذات إنسانية مستقلة عن حقيقتها الاجتماعية فهم يرون أن الثقافة والمجتمع يصنعان الأفراد كما يصنعان أفكارهم واتجاهاتهم، ومن طرق صياغة للأفراد اللغة.

فيما بعد الحداثة ترى أن الإنسان ما هو إلا السلوك الخارجي الذي تتحكم فيه البيئة وقد ساعد على ذلك النظريات السلوكية في علم النفس التي ترى أن السلوك الإنساني محكوم بقوانين علمية كقوانين الطبيعة، فأصبح يجري على الإنسان التجارب كما تجري على العناصر الطبيعية، وتجري التجارب أيضاً على الحيوان وتعمم نتائجها إلى درجة كبيرة على الإنسان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت