فما بعد الحداثة مصطلح تكاد تجمع المراجع على عدم إعطائه تعريفاً دقيقاً، ولكن يمكن محاولة معرفة ما يعنيه هذا المصطلح من خلال مقارنته بالمصطلح السابق ومن خلال التوصيف لما هو عليه الواقع الآن وما يطرح من نتاج. فالحداثة وما بعدها تجاوزت كل القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية فهي نظرة موغلة في المادية جعلت من الإنسان شيئاً من الأشياء وساوته بالأمور الأخرى الطبيعية فما يصدق على أمر طبيعي يصدق عليه ولأجل ذلك أنتجت الحداثة وما بعدها ما أنتجته في العالم من تمزق وضياع.
هذا الجانب المعرفي في الحداثة وما بعدها وهو النظر إلى الإنسان على أنه كائن طبيعي لا يختلف في حقيقته عن الأمور المادية، هذه النظرة هي التي صاغت جميع مناحي الحياة في عصر الحداثة وما بعدها مما جعلها تترع القيم الإنسانية والدينية والأخلاقية من الدوافع، فهذه النظرة أوجدت أمراضاً على جميع الأصعدة في عصر الحداثة فخرجت ما بعد الحداثة التي تبشر بزوالها ولكنها عمقت المأساة لأنها تخرج من نفس النظرة بل أوغلت فيها.
لأجل ذلك كله سوف يتم الكلام بالمقارنة بين التيارين لمعرفة الاختلاف بينهما في نظرتهما في تكوين المعرفة والحقيقة والعلم والإنسان والعقل ثم نرى ما جرته هذه النظرة على الواقع الإنساني وكيف تم فرضها على الناس.