وما يجدر ذكره في هذا الصدد أن كثير مما يظهر في إطار ما بعد الحداثة عبر في البداية عن نفسه في الثورة الثقافية ضد الحداثة والتي كانت مؤشراً للحركة التي عرفت بالتحديثية (Modernism) . ترجع جذور هذه الحركة إلى بداية القرن العشرين، وقد سعت منذ بدايتها إلى تبنى ورفض بعض معالم الحداثة مبينة في ذلك مظاهر الجديد وبانية، اعتماداً على هذا، صحة ضرورة إعطاء اسم جديد لحقبة تاريخية جديدة في بناها الداخلية ومختلفة عن ما هو موجود في سابقتها"الحداثة [3] "
ما لا يمكن إنكاره هو أن مجتمع الحداثة في يومنا هذا ليس نفسه الذي كان سائداً في الفترة التاريخية التي عاش فيها ماركس وفيير. إلا أنه كما ذكرناً سابقاً: الحداثة هي مبدأ المجتمع الغربي ولهذا لا نستطيع أن ننظر إلى الفترة المعاصرة كحقبة بعيدة كل البعد عن مبادئ الحداثة، فهي استمرار لها في التطورات الجديدة التي أحدثتها. إن التزام تقليد الحداثة بالنمو والتجديد المستمرين يتطلب اعتبار المعالم والأشكال الحالية لمجتمع الحداثة على أنها مؤقتة. ولهذا فإنه من الضروري التوقع المستمر لنمو معالم جديدة في المجتمع في الإطار العام للحداثة نفسها.
مما سبق يتضح ما يلي:
1)غموض مصطلح الحداثة وما بعد الحداثة، وسبب الغموض أن المصطلحين هما في الحقيقة يدخلان تحت مسمى العلمانية، وهذا المسمى هو نتيجة متوالية تراكمية ليست ذات صيغة زمنية معينة بل هي نتاج ممارسة طويلة المدة، ففصل مرحلة عن أختها ينتابها كثير من الغموض والتعسف، والدليل على ذلك الاختلاف فيما بينهم في تحديد زمن لكل مرحلة.
2)نبذ التراث وعدم الاعتماد عليه في صياغة الأفكار والسلوك وإنما المحرك للإنسان المصلحة الذاتية.
3)إنهما منهج حياة وسلوك اجتماعي يقع تحت ثقل اللحظة الراهنة وعدم تجاوزها بأي قيمة من القيم.