وأي فساد أعظم من إفساد في بلاد قد أنعم الله تعالى عليها بالأمن والاستقرار، وهي مهوى أفئدة المسلمين في كل مكان، فإذا اختل أمنها كيف يحج الناس وكيف يعتمرون؟!
أوليسوا بأعمالهم الخاطئة، وتأويلاتهم الفاسدة قد أشمتوا بالمسلمين الكفار والمنافقين، ومهدوا الطرق للمنحرفين والشهوانيين أن يطعنوا في شريعة الله تعالى وأحكامها، وفي الدعوة والدعاة، وفي الحسبة والمحتسبين، وفي التعليم والمتعلمين وفي المناهج الدراسية التي بنيت عليها، وكم تأخرت الدعوة والإغاثة والإصلاح بسبب هذه الأعمال؟!
أليست أفعالهم المشينة كانت سببا في تسلق المرتزقة وذوي الأهواء ليتأكلوا بالأحداث، ويرتزقوا بأمن البلاد والعباد، ويقتاتوا على المصائب والنكبات؛ ليحوزوا مالا أو جاها أو ليُصَفُّوا حساباتهم مع الدين وحملته وأهله، ويسعوا بجد ونشاط في نشر الفساد والانحلال. وما رأينا إصلاحا من وراء ذلك.
فحري بكل عاقل أن يحذر الفتن وأهلها، وأن لا يسلم قلبه للشبهات، فإنها تفتك بالقلوب فتكا، وحري بكل من عرضت له شبهة في هذا الباب أن يسأل أهل العلم فيها، وأن لا يُقدم على قول أو فعل ليس عنده فيه من شريعة الله تعالى حجة ظاهرة؛ فإن الحساب عسير، وإن حرمة الدماء المعصومة عظيمة، ولعظمتها عند الله تعالى كانت أول شيء يقضى فيه بين العباد يوم القيامة، ولا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما؛ كما صح ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام.
ولما ثارت الفتنة الأولى اعتزلها سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فجاءه ابنه عمر، فلما رآه سعد قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب، فنزل فقال له: أنزلت في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم؟ فضرب سعد في صدره فقال: أسكت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي)رواه مسلم.