فاجتمع سواد الأمة على معاوية بعد تنازل الحسن رضي الله عنهما، فأُغمد السيف، وسكنت الفتنة، وعادت مهابة الأمة، وتوارى أهل النفاق والشقاق، فهم لا يظهرون إلا في أحوال التفرق والاختلاف، وأقيمت الحدود، وحُميت الثغور، وانطلقت جيوش أهل الإسلام تفتح البلدان، وتمصر الأمصار، وتنشر الإسلام، حتى حوصرت القسطنطينية في خلافة معاوية، ومات أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه تحت أسوارها، وبنيت مدينة القيروان، وعظمت الفتوح في خراسان والسند وسجستان وما وراء النهر، واتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وفاضت الخيرات، وازدهرت العلوم.
والفتوح التي وقعت في العهد الأموي كانت من أوسع الفتوح وأكثرها في تاريخ أمة الإسلام كلها، وكل ذلك كان ببركة الاجتماع على إمام واحد، والائتلاف بعد الاختلاف، وكان الفضل في ذلك بعد الله تعالى للحسن بن علي رضي الله عنهما.
وما اشتعلت بعد ذلك فتنة في قطر من أقطار المسلمين، فتفرق الناس فيها عن إمامهم إلا فرق الله تعالى قلوبهم، وصدع صفهم، وشتت كلمتهم، وأطمع فيهم أعداءهم، فحل فيهم الخوف، ورفع منهم الأمن، وعطلت الحدود، وظهر أهل الشر والفساد.
وما اجتمع الناس على إمام إلا اجتمعت قلوبهم، ورفع خوفهم، وزادت خيراتهم، وكل الدول القديمة والحديثة تشهد لهذه الحقيقة، ومن قرأ التاريخ استبان له الأمر، وعرف أن مواضع عزة الأمة ونصرها تكون حيث يجتمع أبناؤها، وأن ضعفهم وهوانهم يكون حيث يتفرقون {وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال:46] {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران:105] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...
الخطبة الثانية