لقد أكلت هذه الفتنة العمياء جملة من عظماء الرجال، وسادة الناس، على رأسهم علي بن أبي طالب ، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعمار بن ياسر، قتلهم من أثاروا الفتنة، وأججوا الخلاف، من الخوارج والدهماء والرعاع، وهم رضي الله عنهم من السابقين إلى الإسلام، ومن المشهود لهم بالجنة، فكيف يقتلهم من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، ويقتلونهم تقربا إلى الله تعالى بزعمهم ولكنها الفتن تعمي القلوب والأبصار، نعوذ بالله تعالى منها.
ونجم عن هذه الفتن العظيمة اختلال أمن المسلمين آنذاك، وظهور اللصوص، وقطاع الطريق؛ لأن الحدود لا تقام إلا حيث تكون دولة وولاية، ولا دولة إلا بإمام يجتمع الناس عليه، فيقيم العدل، ويرفع الظلم، وقد شَغَل سادةَ الناس وأئمتَهم آنذاك ما هم فيه من الفرقة والخلاف.
وتوقفت الفتوح التي كانت في عهد الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم؛ لأن الجيوش تحولت من الثغور إلى مناصرة إحدى الطائفتين؛ ولذلك لم يكن هناك فتوح تذكر لا في آخر خلافة عثمان ولا في خلافة علي رضي الله عنهما. وقوي النفاق، وكثر المنافقون وطلاب الدنيا، وشمتت الفرس والروم وكل عدو بالمسلمين.
وما عادت الأمور إلى نصابها، ولا سكنت الفتنة إلا لما كانت البيعة للحسن بن علي رضي الله عنهما، فآثر مصلحة الأمة على مصلحته، ورأى أن حقن دماء المسلمين أولى بالرعاية من حقه في الخلافة، وما تركها رضي الله عنه لعجزه أو لقلة من يعينه وينصره!! كلا، بل تركها لله تعالى، وحقنا لدماء المسلمين، فمن يفعل فعل أمير المؤمنين أبي محمد الحسن بن علي رضي الله عنهما، وقد جمع الله تعالى به كلمة المسلمين بعد تفرقها، وألف به بين قلوبهم بعد تنافرها واختلافها؟! فكان سيدا من سادة هذه الأمة، وحقَّ فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) رواه البخاري.