ولما قتل عثمان رضي الله عنه، وانعقدت البيعة لأبي الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كانت الفتنة لا تزال مشتعلة، فاختلفت الأمة من جديد في أمر قتلة عثمان وماذا يفعل بهم، فقوم رأوا وجوب المسارعة بالاقتصاص منهم، والقضاء عليهم، وآخرون رأوا أنه لا يمكن ذلك في ظل اشتعال الفتنة، وهيجان الناس، ولا بد من تسكينهم حتى إذا استقرت الأمور، وانكشفت الفتنة أخذوا بجرمهم، وكاد الفريقان أن يصطلحا، ولكن مشعلي الفتنة يعلمون أنهم إن اصطلحوا حوكموا بقتل عثمان، فما زالوا يوسعون دائرة الخلاف، ويزيدون الفرقة بين الطائفتين، حتى بلغوا ما أرادوا من اقتتال الطائفتين، فنتج عن ذلك حربان كبيرتان قتل فيهما خلق كثير من المسلمين في الجمل وصفين.
وقد شخص الصحابي الجليل طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه ما وقع بينهم من الفرقة والاختلاف، والحيرة والأسى، وهم لا يملكون في هذه الفتنة العظيمة من أمرهم شيئا، بل يدورون معها حيث دارت، ويسكنون إذا سكنت، فروى علقمة الليثي رضي الله عنه فقال: (لما خرج طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم رأيت طلحة وأحب المجالس إليه أخلاها، وهو ضارب بلحيته على زوره، فقلت: يا أبا محمد، أرى أحب المجالس إليك أخلاها، وأنت ضارب بلحيتك على زورك، إن كرهت شيئا فاجلس. قال: فقال لي: يا علقمة بن وقاص، بينا نحن يد واحدة على من سوانا إذ صرنا جبلين من حديد يطلب بعضنا بعضًا)
ويبين رضي الله عنه كيف طاشت عقولهم من عظم هذه الفتنة وشدتها فيقول: (إن هذه لهي الفتنة التي كنا نُحدَّث عنها، فقال له مولاه: أتسميها فتنة وتقاتل فيها؟ قال: ويحك إنا نبصر ولا نبصر، ما كان أمرٌ قط إلا علمت موضع قدمي فيه غير هذا الأمر؛ فإني لا أدري أمقبل أنا فيه أم مدبر)