قال العلماء:شبه عليه الصلاة والسلام سقوط الفتن وكثرتها بسقوط القطر في الكثرة والعموم ....وإنما اختصت المدينة بذلك لأن قتل عثمان رضي الله عنه كان بها، ثم انتشرت الفتن في البلاد بعد ذلك، فالقتال بالجمل وبصفين كان بسبب قتل عثمان، والقتال بالنهروان كان بسبب التحكيم بصفين، وكل قتال وقع في ذلك العصر إنما تولد من شيء من ذلك، أو من شيء تولد منه، ثم إن قتل عثمان كان أشدَّ أسبابه الطعنُ على أمرائه ثم عليه بتوليته لهم.
كان مقتل عثمان رضي الله عنه أعظم مصيبة أصيبت بها الأمة بعد موت نبييها صلى الله عليه وسلم، وإن كان الفاروق عمر رضي الله عنه قد قتل وهو أفضل من عثمان فإن قاتله كان علجا واحدا من المجوس لم يركع لله تعالى ركعة، ولا ادعى بقتله إصلاحا، بل إنه قتل نفسه على إثر ذلك لعلمه بشناعة ما فعل.
وأما قتلة عثمان رضي الله عنه فجماعة وليس واحدا، قد دانوا بالإسلام، وأظهروا التنسك والصلاح، وزعموا بقتله الخير والإصلاح، وهي أول فتنة سياسية في هذه الأمة افتات مشعلوها على أميرهم، ونازعوه في سلطانه، وأعلنوا الخروج عليه ثم قتلوه، ففتحوا باب الفتن السياسية، وسنوا في الأمة شق عصا الطاعة، ومفارقة الجماعة، ومنازعة الأمر أهله، ومضت سنتهم السيئة في الناس جيلا بعد جيل إلى يومنا هذا، فكان ذلك أعظم أثر لفتنتهم، وأكبر نتيجة لها.
وظلت الفتن في الأمة كحلقات سلسلة متصلة، كلما فصمت منه حلقة تبعتها أختها منذ مقتل عثمان رضي الله عنه إلى يومنا هذا، وهي فتن متشابهة، ونتائجها واحدة، تتمثل في نفرة القلوب وتباعدها، واختلاف الناس وتفرقهم، ثم يعقب الاختلاف السباب والتلاسن، فالمحاربة وسفك الدماء، فلا يأمن الناس على أنفسهم ولا أعراضهم ولا أموالهم، ولا يعبدون الله تعالى كما ينبغي له أن يعبد، وهكذا تعطل شعائر الدين وأحكامه بسبب اشتعال الفتن واشتغال الناس بها.