أما بعد: فاتقوا الله -أيها المسلمون- فإنه كلما تخلف الناس عن هدي نبيهم عليه الصلاة والسلام، وابتعدوا عن منهج سلفهم الصالح؛ عظمت مصيبتهم، واشتدت محنهم، وكثرت فتنهم، واختلفت قلوبهم، والناجي منهم من بقي على الطريق الأول وإن قلَّ السالكون، وتمسك بالشريعة وإن كثر المنحرفون والزائغون {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُون} [الزُّخرف:43-44]
أيها الناس: هذه الأمة أمة مباركة، معصومة من الإجماع على ضلالة، قد جعل الله تعالى عافيتها في أولها، وجُعل بلاؤها وفتنتها في آخرها، ومن سمات فتنها ومحنها أن بعضها يرقق بعضا، وأن عظيمها يخلف صغيرها، وأن شديدها ينسي خفيفها إلى أن يأذن الله تعالى بخروج آخر فتنة فيها وأكبرها وهي فتنة المسيح الدجال.
ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم من شدة نصحه لنا، ورحمته بنا، وشفقته علينا؛ ذكر لنا الفتن، ووصفها لنا، وحذرنا من شرها، وبين سبل النجاة منها. (استيقظ صلى الله عليه وسلم ليلة فزعا يقول: سبحان الله، ماذا أنزل الله من الخزائن؟ وماذا أنزل من الفتن ....) رواه البخاري من حديث أم سلمة رضي الله عنها.
وذات مرة أشرف عليه الصلاة والسلام على أُطُم من آطام المدينة فقال: (هل ترون ما أرى؟ قالوا: لا، قال: فإني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر) رواه الشيخان من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما.
وفي حديث آخر قال عليه الصلاة والسلام: (ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، ومن وجد فيها ملجأ فليعذ به) رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.