وفوق ذلك فإن الشيخ حمد كان قد درس على الشيخ محمد أرباب العقائد؛ وهو شيخ أتقن علم الكلام، وبرع فيه حتى لقبوه (( أرباب العقائد ) )، فماذا يمكن أن يحدث مع الشيخ حمد لو طالَب شيخه بالنزوع عن التوسع في علم الكلام، والتزام منهج الإمام مالك بن أنس في مسائل العقائد؛ ليوافق حال أبي يزيد البسطامي [19] عندما قال: (( عملتُ في المجاهدة ثلاثين سنة، فما وجدت شيئاً أشدَّ علي من العلم ومتابعته، ولولا اختلاف العلماء لتعبتُ، واختلاف العلماء رحمة، إلا في تجريد التوحيد [20] ) )، لا شك أن أبا يزيد - وإن لم يُعرف عنه الالتزام بمذهب مالك - كان أكثرَ متابعة للإمام مالك بن أنس، وسلفِ الأمة الصالح في منهج العقيدة، من كثير من المنتسبين لمذهب إمام دار الهجرة النبوية، وهو منهج أوصد البابَ أمام المتوسعين في علم الكلام، وما أدري إن كان الشيخ محمد أرباب العقائد سيوافق تلميذَه على التوقف عن تدريس علم الكلام الذي اشتهر به وبز به أقرانه، ويعتمد في منهجه تدريسَ الفقه، وتقريره، على ضوء نصوصِ القرآن الكريم، والحديث الصحيح، متخلياً عما اشتهر به من رياسة في العقائد، أو أنه كان يقر العامة على إطلاق ذلك اللقب على العلامة البارع الشيخ حمد ولد أم مريوم رحمة الله على الجميع؟
وماذا يا تُرى كانت ستفعل بنت قسيوي لو أنها عاشت في هذا الزمان، وأبصرت مكتبةً حافلةً، على أرففٍ من الخشب النادر الثمين، في بيت أحد طلاب العلم، من تلك المكتبات الفخمة الضخمة، فلعلها تحذو حذو الشيخ حمد ولد أم مريوم، فتطالب باقتضاء العلم العمل.