فهرس الكتاب

الصفحة 4248 من 19127

ويا ليت شعري ماذا يقول سلمان الفارسي - رضي الله عنه - لو عاش في هذا الزمان، ورأى الحيطان محجوبة بالأرفف الأنيقة المليئة بأضابير الكتب المرصوصة، بعد أن كان قد رفض دخول بيت عروسه الكِنْدية، في ليلة الزفاف، لما رأى الستور على الحيطان، فقال قوله المشهور: (( ما أدري أمحموم بيتكم؟ أم تحولت الكعبة في كِنْدة؟ والله لا أدخله حتى تُهتك أستاره، فلما هتكوها فلم يبق منها شيء دخل رضي الله عنه ) ) [21] .

ولن يقدِر طلبةُ العلم على سلوك هذا الدرب الوعر، الذي لم يقدر على السير فيه إلا أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا على العيش الخشن الذي لم يحتمله إلا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، مهما بلغ بهم من زهد تنادوا إلى تعلمه وتطبيقه، ولكن بوسعهم أن يقرؤوا هذه الكتب ليقفوا على ما تداوله العلماء من شرح لتوجيهات قدوتنا - صلى الله عليه وسلم - ، وما انتهجه الصحابةُ في متابعته -عليه الصلاة والسلام - ، من مناهجَ أضحت في زماننا هذا كأساطير الأولين، بدلاً من جعل هذه الكتب زينة على حيطان المنازل، ويسعُنا وإياهم جميعا من الأمر ما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (( ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما أهلَكَ الذين من قبلكم كثرةُ مسائلهم، واختلافُهم على أنبيائهم ) ) [22] . فرضي الله عنك يا سلمان، لقد أتعبت من جاء بعدك، حتى عجَز أركان الزهد في العهود الأولى عن مجاراتك، مع ما لهم من صرامة في الأخذ بالزهد؛ لأنك كنت تسمع خطاب الحبيب - صلى الله عليه وسلم - فتلتزم أمرَه، وتقف عند نهيه تماما لا تزيد ولا تنقص، وفي ذلك راجعتَ أخاك أبا الدرداء لما أتعب نفسه، فأهمل حقها، ونسي حق أهله في سبيل الاجتهاد في طاعة الله عز وجل، فعاد - بعد نصحك - ليعطي كل ذي حق حقه [23] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت