وما أدري إن كان يعلم الحذاق من طلبة العلم - في ديارنا - أن ابن أبي زيد القيرواني - في كتاب الرسالة [12] ، وأبا عمر ابن عبد البر - في التمهيد [13] ، وفي الاستذكار [14] ، وأبا بكر ابن العربي - في أحكام القرآن [15] ، والشيخ عليش - في منح الجليل في شرح مختصر خليل [16] ؛ وجميعهم من كبار علماء مذهب الإمام مالك - قرروا حرمة المصافحة بين الرجال والنساء، بعد أن تعبوا - رحمة الله عليهم - في الغوص في معاني التوجيه الشرعي في هذا الصدد، وقد علمت في أهلي تمسكهم بمذهب الإمام مالك بن أنس - رضي الله عنه - ، فإن كانوا معذورين بعدم مدارسة كتابي الحافظ ابن عبد البر، وكتاب الإمام أبي بكر ابن العربي، بحكم أنها من الكتب قليلة التداول، فلن يُعذروا بعدم معرفة رسالة القيرواني، وما جرى عليها من شروح كثيرة، ولن يعذروا كذلك بعدم معرفة مختصر خليل وشروحه المتعددة، والتي من أميزها عندهم شرح الشيخ عليش المصري؛ لأنهم كانوا لا يعترفون بأن العالم قد جمع، وجود، وحذق، إلا بعد أن يختم رسالة ابن أبي زيد القيرواني، ومختصر خليل على شيخ ماهر مجود، وما أدري ما السبب في تساهلهم في كثير من المسائل، إذ لا أجد مسوغاً لما هم فيه إلا أنهم أصبحوا يتعاملون مع أمور دينهم بحكم العادة السائرة، والعاطفة البريئة، التي لا ترفع الأحكام الشرعية كما هو معلوم؟ بل فوق كل ذلك أصبحوا يرمون بالغُلُو والتشَدُّد كلَّ من يأمرهم بالصرامة والحزم في التزام أوامر الشرع، وإن كان الآمِرُ ممن تابَعَ الإمام مالكَ بنَ أنس رحمه الله.
وأعجب من بعض من اتصف بحمل العلم الشرعي في عصرنا هذا ممن يهاجم المتمسك بالقول بعدم جواز مصافحة النساء، فيتهمه بعدم الانضباط، ويهزأ بمثل هذا التمسك بحجة أن من يجد لذة في المصافحة إنما هو من محترفي الرذيلة، وما أظن الحيف يلزمني إن قلتُ: إننا في عهد أصبحت فيه أرفف الكتب من متاع البيوت وزينتها!