ولن يفوتني أن أرسُم مشهد استقبال بنت قسيوي في ديار العشيرة، وما وجدته من حفاوة وتَرْحاب، فأصورها وقد أرخت الثوب على جبهتها، واتخذت منه بُلاًّمة [11] أسفل عيونها حتى لا يُرى من وجهها سوى العينين، وهو ما كانت تفعله أمهاتُنا وجداتُنا في حال خروجهن، وتمسكت به الفضليات من نساء هذا العصر، أم إنها سفرت عن وجهها كما تفعل كثيرٌ من نساء هذا الزمان، اللائي يجهل أغلبهن كيف تُتخذ البُلَّامة، ولا يعرفها منهن إلا القليل القليل. وهل اكتفت بنت قسيوي بإلقاء التحية والسلام عن بعد على غير محارمها، بعد أن صافحت من صافحت، والتزمت من المحارم من تشاء، أم إنها لم تفرق بين محرم وغيره فيما فعلت من مصافحة والتزام، وتعبير عن شوق وحنان بريء لا يخالطه سوء قصد، بحكم ما اعتاده الناس في لقاءاتهم الأُسرية ببراءة لا تخفى على ذي لبٍّ، وهل تكون هذه البراءة معبراً للظن بتسامح الشرع في ذلك، أو أن الشرع يطلب من الناس خلافَ ذلك. وما أدري إن كانت بنت قسيوي ممن يعلم ذلك، أو أنها كانت تتعامل بتلك العفوية التي رسَخت في أذهان الناس - من العامة وكثير من العلماء على حد سواء - حتى أضحى كثيرٌ من العقلاء يظن أن الشرع لم يضيق على الناس في أمر المصافحة بين الرجال والنساء، وأن من يأمرون بالتخلي عنها، والقول بحرمتها إنما يفعلون ذلك من دافع الغُلُو والتشَدُّد.