فهرس الكتاب

الصفحة 4240 من 19127

كما سأعرض لصلاة الصبح، وهل أدتها بوضوء، أو أنها تيممت صعيداً طيباً؟ أو أنها لم تأبه بهذه الصلاة العظيمة، وما فيها من الفوائد الجسيمة، إذ لا علم لها بأحكام الصلاة، والسفر، ولا بالاستعاذة، والقسم، وهل يصلح أن أتبين - بكونها على أي من تلك الأحوال - الواقعَ التعليمي في مجتمعات المسلمين في الماضي القريب، وما سبقه من قرونٍ خلت، وما عَلاقة ذلك كله بما نعانيه في عهدنا الحاضر، الذي ورث أهلُ العلمِ فيه عبئاً ثقيلاً، وكثيباً مَهِيلاً من التراكمات المظلمة، فامتد هذا الضعفُ فينا ليكون أحد أهم أسباب ما تعانيه الأمةُ اليوم من وهْنٍ وبُعد عن الصراطِ المستقيم، وهل إلى نهوضٍ من سبيل؟ أم أننا أصبحنا في عهد يقول العاقل فيه: علَيَّ بخاصة نفسي، فقد رأيتُهم يتبعون الأهواء، ويطيعون الشُّح، ويعجبون بآرائهم، فما لي عليهم من سلطان، وما دَرَى هذا القائلُ أن مثله مثل راكبِ سفينةٍ جمعت بين عقلاءَ في أعلاها، وسفهاءَ في أسفلها، فلو سكت العقلاءُ عن جهل السفهاءِ وعن قولهم: (( لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا ) )لهلكوا جميعاً، ولو أخذوا بأيديهم فأرشدوهم للصواب لنجوا، ونجوا جميعاً.

ولعلي أسبح في بحر الخيال لأذهب إلى أن بنت قسيوي قد عانت الأمرَّين من الأرق في تلك الليلة، فاجترَّت من الذكريات أتراحاً وأفراحاً، فظلت حزينةً تارةً، ومسرورةً تارةً أخرى، فتمثلت لها الدنيا بأسرها في تلك الليلة، وذلك في الجمع بين النقيضين - لو أنها كانت في العَالِمِين - وقد أتخيلُها باتت في سُباتٍ عميق تخطت به عالم الرؤى والأحلام؛ في برزخٍ بين الحركة والسكون، في ذلك المكان الموحش، حتى تبين لها الخيط الأبيضُ من الخيط الأسود من الفجر، ثم لبثت في مكانها حتى أسفر صبحُها، ولاح لناظريها قُرصُ الشمس، فرأت ديار الأهل والعشيرة في الأفق البعيد، كأنياب الكلاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت