ولن يضيق الخيالُ عن القول بأنها ترجَّلت عن دابتها وصَعِدت قوزاً [9] كان بجانب الدرب، عسى أن تأنس على البعد ناراً، أو وبيصاً من كوةٍ أو بابٍ، أو جذوةً تبادلها الجيرانُ والأصحاب، أو تسمع أصواتَ الكلاب، فتهتدي إلى حيث تريد، فلما لم تر ولم تسمع من ذلك شيئاً - برغم إمعانِها النظرَ، وإرعائِها السمعَ - يئست من بلاغ منشود، واتخذت في رَهْوٍ بين أشجار الأراك نُزُلا، فناشدتها الجنيةُ أن تتحرك لكونها قد جلست عليها وهي حامل في الشهر التاسع، وقد ربَطت على بطنها الحزامَ عوناً على حملها الثقيل، وتقول الجنية كل ذلك زُوراً وتلفيقاً من أجل ترويع بنت قسيوي التي استعاذت بالله العلي العظيم، ولم تستعذ بسيد الجن في ذلك الوادي كما كان يفعلُ أهلُ الجاهلية، ولعل الفكر يذهب إلى أن المتحدث كان من ذكور الجن، فقَلَّد صوت حبلى قاربت المخاض.
ولن يفوتني أن أقف عند قسمها بلعنة أبيها إن هي استجابت لطلب الجنِّيَّة في المرة الثالثة، لأستكشف مبلغ علمها بحدود الشرع، ومدى إدراكها لما وقعت فيه من مخالفة تحاسب عليها يوم تفرُ من أخيها وأمها وأبيها؟ أم إنها تتكئ على دليلٍ تعسَّف المحتجُّ به فلواه عن مقصده؛ لأنه لا يصلح للاحتجاج، ولا تقوم به حجة على جواز القسم بغير الله، أم إنها لا شأن لها بكل ذلك، وأن قولها هذا تقليدٌ لما اعتاده الناس، ولم ينكره أهل العلم فيهم؟