فهرس الكتاب

الصفحة 4238 من 19127

وقد يسرح قلمي في ذكر تلك الليلة ووصفها، فأذكر أين كان منزل القمر فيها؟ فهل هو بدرُ تمٍّ خَبَتْ في ضيائه أنجمُ الدُّجى، أو أنه عاد كالعرجون القديم، ففرحت بانزوائه زُهرُ النجوم؟ أو أن ضياءه قد حجبته جبالُ البَرَد المتراكبة، التي أَنَّتْ من حِملٍ ثقيلٍ غالبته الرياحُ، فساقته - بأمر ربها - إلى تلك الأصقاع لتحييها بعد موتها، فغازلت في ثِقَلِها يباباً عذراء، فهشت وبشت وضحكت من حبات المطر، وظنت أن السماء قد بكت شوقاً إليها، وحنيناً لأيامٍ كانتا فيها رتقاً قبل أن يفتقهما الله عز وجل، فاهتزت تلك البكر، ورَبَتْ، وتزينت، وتعطرت برائحة الأراك الذاكية، فرحاً وحبوراً بوصل وابلٍ صيبٍ، جعله اللهُ من أقوى أسباب الحياة؟ فلعل بنت قسيوي كانت قد احتاطت لذلك، فأحضرت معها فروةً تقيها البلل والبَرْد، وتزودت طعاما لاحتمال البَيَات في القَوَى [8] ، أو أنها لم تحتط لذلك، ليقينها بمعرفة الدروب، فنامت على الطَوَى، وعانت من الشدة بأساً.

ولن يفوتني كذلك أن أذكر من أي قرية بدأت سيرها، وأيَّ قرية تريدُ، فأجتهد في تخمين اسم القريتين، وتقدير المسافة بينهما، وذكر ما بينهما من قرى وادعة وبنيان مشيد، وهل بلغت حد الرخصة بقصر الصلاة، فيلزم عند ذلك القولُ بأنها قد خالفت أوامرَ الشرع بسبب سفرها من غير محرم، أو أن المسافة مع طولها لم تبلغ الحد الذي يلزم معه استصحابُ محرم يلازمها في سفرها ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت