فهرس الكتاب

الصفحة 4235 من 19127

والشيخ علي الطنطاوي من المعروفين بالورع والتقوى، والدعوة إلى الله على بصيرة، ولا شك أنه قد فعل ذلك في بدايات عمره بسلامة صدر، ولو كان يعلم أن قَصَصَه سيُفهم منه أنه قَصَصٌ واقعيٌ لما أقدم على ذلك. إذ أن ذلك سيحسب عليه، ولو أنه استقبل من أمره ما استدبر لما وقع في مثل هذا، لأنه أمرٌ له خُطُورتُه عند أهلِ العلم بالحديث وغيرِهم ممن يتوخون الصدق في القول والنقل، وهذا ما علمه الشيخ بعد أن تقدمت سنه، ولعل ما ورد في كتاب الذكريات اعتذار منه عن هذا التصرف.

على أنني وجدت في المنهج التحليلي للفقهاء من أهل الحديث، ما يمكن استخدامه في تحليل النص الأدبي، وهو كابحٌ قوي لجموح الخيال، وانسياقه وراء السَّرَاب، ومخرجٌ جيدٌ لأرباب البيان، ليُعْمِلوا فكرهم دون أن يقعوا في مزالق الكذب. وقد سلكت هذا المسلك لأضع القارئ الكريم أمام صور مختلفة يمكن أن تكون إحداها مطابقةً لواقعِ الحياة الإنسانية، في عصر من العصور القريبة الماضية. لألفت نظر القارئ الكريم للفرق بين منهج المحدثين، وحرصهم البالغ على تحرى الصدق في نقل الرواية، وسعة أفق الفقهاء منهم ومقدرتهم على التحليل من ناحية، وبين منهج القُصَّاص من أهل البيان والأدب العربي، الذين قد تنخرم عند كثير منهم قاعدةُ الالتزام بالصدق، وتحري الدقة، من ناحية أخرى.

فبدأت أول ما بدأت - إمعاناً في التحقق من واقعية هذه القصة بعد وفاة أمي - رحمها الله - بسؤال إحدى خالاتي - أطال الله عمرها في طاعته - عن بطلة القصة، فأكَّدت لي أنها معروفة، وذكرت بأن لنا بها صلةً، وأنها من جيل جداتِها، ولم تكن أمي قد ذكرتْ من القصة إلا ما ذكرتُ. ولم تكترث للتفاصيل الدقيقة لسير المرأة، وأسباب سفرها، وأين كانت تقْطُن، وهل كانت وقتذاك شابة في النساء، أو هي بَرْزة مُتَجالَّة [4] ، أو أنها كانت عجوزاً طحنتها رحى السنين، وهل كان لها زوج، وولد؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت