فهرس الكتاب

الصفحة 4236 من 19127

وكذلك لم تكترث أمي لوصف هيئتها، ووصف دابتها، والطريق التي سلكت، وما سبب سفرها، وضلالها، ومتى وصلت لأهلها، وكيف كانت حفاوتهم بها؟ وفوق كل ذلك لم تهتم حتى بذكر اسمها، فلعلها لم تكن تعرفه، أو ربما لأنها اشتهرت بنسبتها إلى أبيها، فاختفى بذلك اسمُها، ولعل أمي لم يَعْنِها من هذه القصة إلا شجاعةُ تلك المرأة، إذْ قصَدت أن ترسخ هذه الفضيلةُ في ذهني منذ الصغر، خاصة وأنها قد وُجِدت في امرأة لا يُتوقع أن تصل لهذا المستوى من رباطة الجأش، فعساها كانت تأمُل أن ينال ابنُها من الشجاعة نصيباً.

وقد أثارت هذه القصةُ عجبي منذ ذلك الوقت وحتى كتابة هذه السطور، ولم يدر بخَلَدي يومئذ - وأنا صبي لا أعرف من شؤون التربية والتعليم والأدب ما يعرفه الكبار - أن مادتها يمكن أن تكون سبباً من أسباب النفع العلمي والتربوي، ولم تكن تهمني - آنذاك - تلك التفاصيلُ التي قد يحتاجها الرواة ذوو الأهداف، من الملتزمين بضوابط النقل والرواية.

فلما أدركتُ هذا قادني ذلك إلى الركون لتحليتها، وتزيينها بالبيان العذب، على منهج أرباب البيان، حتى كدت أتقوَّل رجماً بالغيب، فأضيف في المضمون ما يخالف المروي، فأتخيل من أي النساء كانت بنت قسيوي، فأقول: إنها كانت امرأة متجالة، وإن لها من البنين والبنات كذا، وكذا.

ثم أحاول أن أرسُم الهيئة التي خرجت بها من ديارها، وكيف كانت ترتدي الثوب، ومن تحته القرقاب [5] ، ومدى توافق هيئتها مع ما أمر الله به نساء المؤمنين من إدناء الجلابيب، وضرب الخُمر على الجيوب، وهل كانت تلبس من الزينة الخفية الحجول الفضية، أو العاجية، أو أنها جمعت بينها، وزادت على ذلك أسوِرةً ذهبية، وكأني بها تشبه مَن قال فيها الأعشى:

تَسْمَع للحَلْيِ وَسْواساً إِذا انْصَرَفَتْ = كما استعان بريحٍ عِشْرِقٌ زَجِلُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت