ويؤيد مذهبي هذا ما دونه الشيخ علي الطنطاوي - رحمه الله - في مذكراته، إذ قال: (( ولي كتاب اسمه"قصصٌ من التاريخ"آخذُ فيه أسطُراً معدودةً، أو حادثةً محدودةً, فأُعمل فيها خيالي، وأجيل فيها قلمي، حتى أجعل منها قصة.
بدأت بهذا العمل من سنة 1930م، من حين كنت أشتغل في جريدة"فتى العرب"، والقصص الأولى منشورة في كتابٍ لي نفِد من دهرٍ طويلٍ كان اسمه"الهيثميات".
من هذه القصص ما ذكره المؤرخون من أن امرأة من دمشق رأت انقسامَ المسلمين، وتقاعسَهم عن قتال الصليبيين، وأرادت المشاركة في الجهاد، فعمِلت ما تقدر عليه؛ قصَّت ضفائرَها، وبعثت بها إلى سِبط ابن الجوزي (أي ابن ابنته) خطيب الجامع الأموي في دمشق؛ ليكون منها قيدٌ لفرسٍ من خيول المجاهدين.
ويقول المؤرِّخون: إنه خطب خطبةً عظيمة ألهبت الدماء في العروق، وأسالت الدموع من العيون، وأثارت الحماسة، وأيقظت الهِمَم، فلما كتبتُ القصة على طريقتي، ألَّفتُ أنا خطبةً قلتُ: إنها التي ألقاها على الناس.
وحَسِبَ الناسُ أن هذه هي الخطبة الحقيقية، حتى إن خطيب المسجد الحرام الرجل الصالح الشيخ عبد الله خياط نقل فقرات منها في خطبة الجمعة على أنها خطبةُ سِبط ابن الجوزي )) .اهـ.
ثم أورد الشيخ الطنطاوي عقب هذه مباشرة قصة أخرى قال فيها: (( وكتبتُ مرةً قصصاً متخيلةً، عن أعرابي صحبنا في رحلة الحجاز، منها: (( أعرابي في الحمَّام ) )، (( أعرابي في سينما ) )، (( أعرابي ونقد الشعر ) )، وكلُها في كتابي (( صورٌ وخواطر ) )، قلت في الأخيرة منها: إن قبيلة على حدود اليمن اسمها السوالم لا تزال تنطق الفصحى، لم يدخل ألسنتها اللحن، ولا بلغتها العُجمة، وكان ذلك خيالاً مني، فأخذ ذلك الأستاذ وحيد جباوي، فوضعه في بحثٍ له عن الفصحى وعن اللحن، ونشر خلاصة منه في مجلة مجمع اللغة العربية [3] )) .اهـ.