تلك قصةٌ سمعتها في الصغر من والدتي - رحمها الله - وهي قصة واقعية حدثت في منطقتنا [2] ، قصَّتها عليَّ أمي الحبيبة بالعامية المحلية التي يضرب كثير من مفرداتها في عمق الكلام العربي الفصيح، بل يوجد في كثير من مفرداتها أيضاً ما هو من غريب الفصيح، الذي قد يُضطَرُّ بعضُ القراء للاستعانة بالمعاجم الرئيسة لمعرفة معناه، مثل جملة: (( وقد كربتُ النِّسْعة ) )، التي نطقتها أمي كأنها تقول: (( وقد شربتُ اللبن ) )، مما لا يجهله ناطقٌ بالعربية. بل لن أجازف إن قلتُ: إن كثيراً من المفردات العامية عندنا يدل تركيبها على أنها من غريب الفصيح، ولكن لم تسعفنا المعاجم بذكره، وسأدلِّل في هذا السياق، وأبرهن على قولي هذا في أكثرَ من موضع إن شاء الله.
وقد كان من مدعاة تفكيري في تدوين هذه القصة أن أستخدمها في تنمية مدارك النشء، وربطهم بتلك المفردات الموغلة في الفصاحة، والتي صار جيلُ اليوم لا يعرفُ منها إلا النزرَ اليسير، حتى إذا ما ألفوا التعاملَ مع اللغة العربية الفصحى، حملهم هذا الإلفُ على محبة أفصح الفصيح؛ القرآن العظيم، والحديث النبوي الصحيح، فيقودهم ذلك للتفقه في الدين الحنيف.
وقد صعب عليَّ جداً أن اعتمد في سردها منهج أرباب البيان من أهل العربية، ممن يركبون الخيال في صوغ وإنشاء القصص، لأن إطلاق العنان للقلم في مسارات الخيال لا تضمن معه السلامة من الكذب، خاصة وأن الخيال فرس جموح، وبحر طموح. ففضلت أن أنقل القصة كما سمعتها دون تزيُّدٍ، متبعاً في ذلك منهج علماء الحديث النبوي الشريف ممن يذهبون لقبول الرواية بالمعنى، مع الصرامة في التزام الدقة والصدق في النقل، مستخدماً الكلمات الفصيحة التي ذكرتها أمي، معرباً لبعض كلامها العامي الآخر، غير زائد في المضمون.