لقد ابتُلِيَ كثيرٌ من النَّاس بالجهل بالتَّوْحيد؛ فانحازوا إلى أصحاب القبور، والتجؤوا إليهم، وتضرعوا أمام أعتابهم، فقبَّلوها وتمسَّحوا بها، واستغاثوا بأهلها في الشَّدائد والكروب؛ بل لقد كثر مروِّجوها والدَّاعون إليها من قبوريِّين ومخرِّفين، الذين يخترعون حكايات سَمِجَة عن القبور وأصحابها، وكرامات مختلَقَة لا تمتُّ إلى الصحَّة بنصيب، والذين ينشدون القصائدَ الطَّافحة بالاستغاثات والنداءات، التي لا تصلح إلا لفاطر الأرض والسماوات؛ بل لقد طاف بعض النَّاس بالقبور كما يُطاف بالكعبة المعظَّمة، وأوقفوا الأموال الطَّائلة على تلك الأضرحة، حتى إنَّه لتجتمع في خزائن بعض المقبورين أموالٌ تُعَدُّ بالملايين، ولقد أحسن القائل:
أَحْيَاؤُنَا لا يُكْرَمُونَ بِدِرْهَمٍ وَبِأَلْفِ أَلْفٍ يُكْرَمُ الأَمْوَاتُ
لقد قصَّر أناسٌ مع التَّوْحيد؛ فتقاذفتهم الأهواء، واستولت عليهم الفِتَن والأدواء، فمن مفتونٍ بالتَّمائم والحُرُوز، يعلِّقها عليه وعلى عياله، بدعوى أنها تدفع الشرَّ، وتذهب بالعَيْن، وتجلب الخير، والله تعالى يقول: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ} [الأنعام: 17] .
وقد رأى النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - رجلاً في يده حَلْقَةٌ من صفر، فقال: (( ما هذا؟ ) ). قال: من الواهنة. فقال: (( انْزعها؛ فإنها لا تزيدُكَ إلا وهنًا؛ فإنَّكَ لو متَّ وهي عليكَ ما أفلحتَ أبدًا ) ). رواه أحمد بسندٍ لا بأس به [5] .
ولأحمد - أيضًا - عن النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال: (( مَنْ تعلَّق تميمةً؛ فلا أتمَّ الله له ) ) [6] ، وفي روايةٍ: (( من تعلَّق تميمةً فقد أشركَ ) ) [7] .