التَّوْحيد في القديم وفي الحديث أوَّلَه النَّاس بتعدُّد الآلهة - وهي المعبودات - وتعدُّد الآلهة خرافةٌ هزيلةٌ لفظها الإسلام بقوَّة، ونبذها نبذ المسافر فضلةَ الأَكْل، وتتبَّع أوهام النَّاس فيها وَهْمًا وَهْمًا، فكشف الظُّلمة ودحض الشبهة، ولا عجب؛ فالتَّوْحيد الخالص شعار الإسلام الأوَّل في ميدان الاعتقاد والعمل، به عُرِفَ، ومن أجله حُورِبَ، وعليه دار جدلٌ طويلٌ بين أهل الحقِّ وأهل الباطل: {إِنَّ إلهكُمْ لَوَاحِدٌ * رَّبُّ السَّمَاواتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ} [الصافات: 4-5] ، {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 91] .
إنَّ التَّوْحيد الخالص هو أفضل طلبة، وأعظم رغبة، وأشرف نِسبة، وأسمى رُتبة، هو وسيلة كلِّ نجاحٍ، وشفيع كلِّ فلاحٍ، يُصيِّر الحقير شريفًا، والوضيع غِطْرِيفًا، يطوِّل القصير، ويقدِّم الأخير، ويعلِّي النَّازل، ويُشْهِر الخامل، ما شيَّد مُلْكٌ عتيدٌ إلا على دعائمه، ولا زال إلا على طواسمه، ما عزَّتْ دولةٌ إلاَّ بانتشاره، ولا زالت إلاَّ باندثاره.
وإنَّ معظم الشُّرور والنَّكبات التي أصابت أمَّة الإسلام، وأشد البلايا التي حلَّت بها - كانت بسبب ضعف التَّوْحيد في النفوس، وما تسلَّط مَنْ تسلَّط من الأعداء، وتَعَجْرَفَ مَنْ تَعَجْرَفَ، وغار مَنْ غار على حياض المسلمين، واستأصل شأفتهم، واستباح حرماتهم، وأيَّم نساءهم، ويتَّم أطفالهم - إلاَّ بسبب ضعف التَّوْحيد، وما هجم التَّتار على ديار الإسلام وفعلوا بهم ما فعلوا، إلا بفقد التَّوْحيد؛ بل لقد بلغ ضعف التَّوْحيد في النفوس مبلغًا عظيمًا إبَّان الهجوم التَّتَريِّ لبلاد الإسلام، حتى لقد قال بعض المسلمين من الهَلَع والجزع:
يَا خَائِفِينَ مِنَ التَّتَر