وإذا دخلت المرأةُ الدار وجاوزت المدخلَ استطاعت أن تلقيَ حِجابَها، وأن تتجوَّل في جَنَبات الدار وغُرفه، وهي آمنةٌ من كلِّ المزعِجات، فلا تخشى النظَرات الآثمَة والتطلُّعات الفضوليَّة ولا مراقبة الآخرين.
وللضُّيوف مكان مُنعزل خاصٌّ، وهو ما يُسمُّونه البَرَّاني، يقيم فيه الضَّيف فلا يسمع صوتاً من الداخل، ولا يَحجز حرِّيةَ أهل البيت.
أما ساكنو هذه البيوت فكانوا يتمتَّعون بأنواع المُتَع التي يُتيحُها لهم هذا الطِّراز من البناء، فساحةُ الدار التي تُدعى في دمشقَ (أرض الدِّيار) تُغسل كلَّ يوم بالماء قُبيل الغروب، وتُفرَش أرضُها في الصيف بالسَّجَّاد والبُسُط. والفُرُش والنمارق استعداداً للسَّهرة التي يجتمع فيها أفراد الأسرة جميعاً. فإذا صلَّى أهلُ الدار المغربَ أخذوا مجالسَهم فيها، يسمعون غناء الطُّيور وخريرَ الماء. ويتناولون فيها طعامَ العشاء، ويأنسُ بعضهم ببعض مُتَّكئين مُتقابلين، وتُدار عليهم كؤوس الشاي، فينسى الجالسون فيها تعبهُم ويبقون في هذا الأنس الممتدِّ حتى يغزوَهم النُّعاس.
هكذا كانت بيوتُنا، ثم غزَتنا - وا أسفاه - آفَةُ التقليد الأعمى، فتركنا ذلك اللونَ من طِراز البناء، وأخذنا الطريقة الوافدةَ في المباني.
وكان الناسُ في بادئ الأمر زاهدينَ بهذه المباني.. ودارت الأيام، وتغيَّرت الأحوال، وصار الناس يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، لقلَّة خدمة الشقَّة إذا قيست بخدمة الدار، ولسيطرة الناحية المادية، كان ذلك عاملاً من عوامل نشر هذا اللون من الطِّراز المعماري، وما زال هذا الطِّراز الوافدُ ينافس الطِّرازَ العربيَّ الحبيب القديم ويحاول إزاحتَه من الوجود.
هذا وقد سمعت من مهندسٍ من كبار المهندسين المعماريِّين أن فريقاً من المهندسين في أوربَّا وأمريكا شرعوا يُبرزون معايبَ هذا الطِّراز من البناء ويَدعون إلى إبداع طِراز جديد.