فهرس الكتاب

الصفحة 4151 من 19127

وقوله (شِبراً بشِبر، وذِراعاً بذِراع) هذا تمثيلٌ للاقتداء بهم في كلِّ شيء ممَّا نهى عنه الشَّرع. وأودُّ أن أتحدَّث اليوم عن السَّكَن الإسلاميِّ الجميل الرائع الذي تخلَّى كثير منَّا عنه، إلى الطِّراز الغربيِّ في البناء الذي يُشبه صناديق من الإسمنت المسلَّح، باردة في الشتاء حارَّة في الصيف. إن أغلق ساكنوها نوافذَها كانوا في ظلام دامس وغمٍّ، وإن فتحوها كانوا مكشوفينَ كأنهم جالسون في الطريق.

لقد كنَّا نعيش في بيوت توافَرت لها الشروط الصحِّيَّة، وعناصر الجمال العُمراني، وأسباب الراحة والمتعة والسَّكَن النفسي، وتتَّفق مع أخلاقنا وقيمنا. كان البيت جنَّة وارفةَ الظِّلال، فيها الماء الجاري دائماً في بُحيرة يدعونها (البَحرَة) ، وكان ماؤها المستمرُّ في الجَرَيان صافياً بارداً، حتَّى إنَّ الناس إذا أرادوا أكلَ البِطِّيخ في الصيف وضعوا البِطِّيخة فيها، فما تلبثُ حتى تصبح باردةً كأنما كانت في ثلاجة، وفيها الشجرُ المثمر من البرتقال والليمون بنوعيه الحامِض والحلو، والنارنج والكبَّاد والعِنَب بأنواعه من الزَّيني والبلدي والحُلواني والأحمر الدُّوماني والأسوَد وغير ذلك، وفيها الورد والفلُّ والياسَمين بأنواعه العديدة، فإذا دخل المرءُ البيت وبلغ ساحةَ الدار السماويَّة سمع زقزقة العصافير والأطيار، وشمَّ العطر والروائح الزكيَّة، واستمتع برؤية الخُضرَة والظِّل الظَّليل، وداعب وجهَه الهواءُ العليل، ووجد السَّتر التامَّ فهو في هذه الجنَّة محفوظٌ بحفظ الله لا يرى أحداً من الجيران، ولا يراه أحدٌ منهم، وتغشاه الشمسُ الجميلة بدفئها وحرارتها.

وتحيط بهذه الساحة الغُرفُ التي تُطلُّ نوافذُها على الساحة، فيتجدَّد الهواء فيها، وتدخُلُها الشمس، ويملأ جوَّها الضياء، ولا يُزعج ساكنَها صوتٌ خارجيٌّ ولا ضجَّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت