فهرس الكتاب

الصفحة 413 من 19127

لم يختلف النقاد إطلاقًا حول جمال أبيات كثير. نقطة الخلاف هي منشأ هذا الجمال، ولا نريد أن نكرر شيئًا قلناه في حينه، لكنا نحب أن نوضح، أو نؤكد على أشياء ربما أشار إلى بعضها المعاصرون والأقدمون. فالأبيات جميلة لأنها تعبر عن تجربة، ولأنها تثير انفعالات وتداعب مشاعر وتلمس برفق أكثر من جانب للذكريات. والأبيات جميلة لأن في عفويتها وبساطتها من العمق ما جعل لسان أكثر من متلق وناقد رطبًا بذكرها وما أغرى بها أكثر من ناقد لتجسيد أسرار هذا الجمال، لكن بعض النقاد - مثل ابن قتيبة ومن وقف موقفه - تخدعهم هذه البساطة وهذه العفوية عن ما في الأبيات من مضمونات وتجارب فيرجعون سر جمالها إلى اللفظ. وهي هذه البساطة التي تجعل الأبيات تعانق المتلقي بلباقة متناهية إلى حد إمحاء سلطة كاتبها. والأبيات مجرى لأكثر من لون في حياة العربي: فمِنَى والأركان - كما أشار بعض النقاد القدامى - لفظتان ذواتا بُعدٍ روحاني مريح، كما أن لمِنَى بُعدًا آخر ذا مشاعر من نوع خاص. والمهاري أو المطي: كلمتان غارقتان في نهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية والاتصالية. بل إنهما رمز للترحال الذي يقف معلمًا من معالم حياة العربي ونقطة في خريطة همومه. وسالت والأباطح: لفظتان شهيتان. بل إنهما يفتحان شهية الحياة بالمطر الذي ترمزان إليه، والمطر دون شك ذو شأن خطير وجليل ولطيف في حياة العربي أما أطراف الأحاديث فهي عبارة ودية حنون ابتعدت عن الرسمية فاكتسبت نكهة خاصة وطعمًا فريدًا ينعشان الجو النفسي ويشيعان فيه غير قليل من النداوة ويكفي أن قلوبًا أنضجتها القروع نقعت بهذه الأحاديث فاشتفت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت