أولاً: إن للتفسير شروطاً وقيوداً وضوابط يسير عليها قررها العلماء ينبغي لمن يتصدى لتفسير القرآن الكريم أن يكون قد عرفها وأحاط بها ليأتي الأمور من أبوابها. فلا يكون القرآن الكريم حمى مباحاً لكل من حصّل علماً وحفظا شيئاً فنسي أنه قد غابت عنه أشياء.
ومن شروط ذلك التمكن من العربية فتفسر ألفاظ القرآن الكريم بما تدل عليه لغة العرب، دون تزيّد في تحميل الألفاظ ما لا تحتمله فيستنبط منها ما لا تدل عليه ولا ترشد إليه فللألفاظ معانيها المحددة ودلالاتها الخاصة التي وضعت لها وهذا يمنع التوسع العجيب في فهم ألفاظ القرآن وجعلها تدل على معانٍ وإطلاقات لم تعرف لها ولم تستعمل فيها. أو إن كانت الألفاظ قد استعملت في شيء منها فباصطلاح حادث في الملة بعد نزول القرآن بأجيال [22] .
ثم إن هذا التفصيل العلمي المستقى من العلوم في عهودها المتأخرة هل هو من مدلولات ألفاظ الآيات أو لا؟.
إن كان من مدلولات ألفاظ الآيات فكيف لم يفهمه العرب الخُلصّ الذين نزل عليهم وبلغتهم. وإن كانوا فهموه فلماذا لم تقم نهضتهم العلمية التجريبية على هذه الآيات الشارحة والمفصلة لهذه الحقائق والنظريات العلمية المفهمة لدقائها.
وإن كانت لم تفهم منها ولم تدل عليها ولم يدركها أصحاب اللغة الخلص في زمن نزولها - كما هو واقع الحال - فكيف تكون هي معاني القرآن المرادة له والمقصودة منه؟! وكيف يصح تفسيره بها.
وأين بلاغة القرآن حينئذ والبلاغة كما يقولون هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال [23] .
والقرآن الكريم قد نزل بلسان العرب على قوم يفهمونه وأمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - بشرحه تبيانه والنظريات الحديثة لم تكن معلومة ولا مكشوفة ولا يصح لمسلم مهما حسنت نيته أن يدعي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يعرف جميع ما تضمنته آيات القرآن [24] .
وليس فيما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا فيما ورد عن أصحابه ما يؤيد هذا الاتجاه أو يدل عليه [25] .