لعل ما انتهينا إليه تتبع لا يخلو من التحليل والتقويم لنظرة النقاد العرب القدماء والمعاصرين إلى أبيات كثير. عند القدماء تعرفنا نظرتين نقديتين متضادتين تجاه هذه الأبيات. إحداهما - كما قلت - لا ترى لمعناها كبير فائدة بالقياس إلى ما فيها من ألفاظ. وفي هؤلاء من ينتصر - بوضوح - للألفاظ ويرى أنها وراء العمل الأدبي المعجب الجميل مثلما صنع أبو هلال العسكري حين استشهد بالأبيات. وأخراهما ترى سر جمالها ليس في ألفاظها فقط وإنما في المعاني التي وراء هذه الألفاظ. وأصحاب هذه يجنحون إلى المعاني في إطار الخلاف حول قضية اللفظ والمعنى في النقد العربي. ولقد نجح هؤلاء بطرق فنية في اكتشاف معانٍ للأبيات غير أنها ليست من جنس تلك المعاني التي ترضي أذواق أولئك الذين ضيقوا دائرتها رغم رحابتها المتسعة كل نبضة أو خلجة في قلب الحياة. كلتا هاتين الرؤيتين - على ما لاحداهما من إضاءات نقدية لافته - تفصلان بين الشكل والمضمون في العمل الشعري حتى لقد شوش هذا الفصل على أذهان بعض النقاد الذين تعرفنا مواقفهم فانحجبت دونهم أكثر من نقطة مضيئة في أبيات كثير كان ينبغي ألا تخطئها عين النقد. ولهذا رحبنا بتلك النظرة النقدية القديمة الثالثة، فقد جاءت متميزة برفضها الفصل بين اللفظ والمعنى عند تناولها أبيات كُثير، ونعني نظرة عبدالقاهر الجرجاني الذي يُرجع سر جمال القول إلى النص بوصفه بناء فنيًا يتكامل فيه الشكل والمضمون ويتلاحمان وذلك تحت مظلة نظرية النظم التي تبلورت عنده. ورغم اختلاف هذا الناقد مع ابن جني في محط الانطلاق نحو رؤية الأبيات فإن بينهما بَعْد هذا المحط اتفاقات من خلالها يلتقيان مع الأسلوبيين أو يلتقي معهما الأسلوبيون في غير واحدة من سمات النقد الأسلوبي. ولقد وقفنا فيما مضى على نقاط من هذا التشابه بين هذين الناقدين إلا أن محاورة نص كثير استهدافًا لاكتشاف مكوناته وعلاقته تبقى إحدى النقاط الفاعلة، بل لعلها المحط