ثم يشرع في تتبع مظاهر تلك الصور ودواعي هذا الشعور أو بعضها، وإن كانت لا تبتعد في حقيقتها عما أشار إليه ابن جني وعبدالقاهر الجرجاني وابن طباطبا، اللهم إلا ما يراه أن مما يدل على هذه الصور هو (( رائحة السآمة التي تَنَسَّم عليك من قوله (( ومسح الأركان من هو ماسح ) )... كأنما تمسيح الأركان لم يكن همه الذي يعنيه من تلك الرحلة وكأنه يتوسل به إلى مأرب يشغله عن الأركان ومن يمسحها من الماسحين )) [183] . هذا ما يراه العقاد، لكنا لا نحس أن طبقات جو الأبيات تنسم علينا رائحة من هذا النوع، قد تَنَسَّم شجنًا واغترابًا وشوقًا أما أن تنسم سآمة فلا شيء في الأبيات - في رأيي - يوحي به.
وإذا كان قول كُثير (( ومسح بالأركان من هو ماسح ) )قد تنسمَ على العقاد رائحة من التناقض تتنسم علينا من المقابلة بين عبارتين له في تلك المقالة التي تناول فيها (( ولما قضينا... ) )ففي إحدى العبارتين - وهي التي يدافع بها عن الأبيات - قوله الذي سبق أن نقلناه وهو (( فإن في الشعر شيئًا غير الألفاظ (( والمعاني ) )الذهنية وهو (( الصور ) )الخيالية وما تنطوي عليه من دواعي الشعور )) فواضح أنه في هذه العبارة لا يعد المعاني الذهنية أصلًا في جمال الأدب أو أساليبه، لكنا نقرأ عبارته الثانية وهي (( وفحوى ما تقدم أن الصور الخيالية والمعاني الذهنية هي الأصل في جمال الأساليب في الأدب والفنون ) ) [184] فنحس بانحراف عما قد قرره سابقًا خاصة وأنه يرى أن الأبيات من أعذب الشعر وأسلسه رغم خلوها مما تعود النقاد أن يسموه بالمعاني، وهذا ما جعلنا نحس بهذا التناقض الذي أشرنا إليه. وعلى أية حال، فأهم ما نلحظه في وقفة العقاد عند الأبيات أنه - كما قلنا - لم يبتعد عما قاله الأولون فيها.