ولما تولى المأمون الخلافة اهتم بتعريب علوم الأوائل واقتدى بسياسة والده الرشيد في إهتمامه بالعلوم وأخذ يضمن شروط الصلح مع ملوك الروم إرسال كتب الحكمة فكان أحد شروط الصلح بينه وبين ميخائيل الثالث أن ينزل للمأمون عن إحدى المكتبات الشهيرة في القسطنطينية وكان من بين ذخائرها الثمينة كتاب بطليموس في الفلك فأمر المأمون بتعريبه وسماه المجسطي [89] . كما أنشأ بيت الحكمة وهو مجمع علمي ومرصد فلكي ومكتبة يقيم فيه طائفة من المترجمين من أهل الذمة وتجري عليهم الأرزاق من بيت المال. وأرسل المأمون بعد ذلك بعثة علمية لشراء كتب الحكمة من بلاد الروم مكونة من الحجاج بن مطر وابن البطريق وسلم صاحب دار الحكمة فأخذوا مما إختاروه عدداً كبيراً وحملوه إلى بغداد فأمرهم المأمون بتعريبها فاجتمع عنده في دار الحكمة مجموعة كبيرة من كتب الفلسفة والمنطق والموسيقى والفلك وغيرها [90] إلى جانب كنوز العلوم الإسلامية [91] . وما أضافه الرشيد والمأمون من كتب العلم في لغات مختلفة وما جمعه يحيى بن خالد من كتب الهند [92] .
وبلغت حركة التعريب أشدها في عهده إذ حرص على نقل ما يتفق مع العقلية العربية الجديدة من التراث الهيليني والشرقي إلى العربية، فقد بلغ التمازج الثقافي بين الثقافة العربية الإسلامية الجديدة وعلوم الأولين درجة كبيرة من التقدم. ويرى البعض من المؤرخين [93] أن إزدهار التعريب لا يعطي للمأمون أكثر من كونه رمزاً للعصر وليس بالمحرك ولا الباعث له إذ لم يبق المأمون في بغداد أكثر من عشر سنوات بين 204 - 214 وكان تشجيعه للعلماء في جانب كبير منه عملاً سياسياً أكثر مما هو علمي وكان ما فعله المأمون في هذا المجال أنه وسع دائرة الترجمة الموجودة في البلاط العباسي فجعل من مهمة (خزانة الحكمة) وأصحابها تعريب الكتب الفلسفية أيضاً.