ولقد بدأت حركة تعريب واسعة النطاق في النواحي العلمية والثقافية في العصر العباسي الأول منذ خلافة المنصور الذي كان شغوفاً بالطب والهندسة ويعتقد بالنجوم وهو أول من راسل ملك الروم يطلب منه كتب الحكمة فبعث إليه كتاب اقليدس وبعض كتب الطبيعيات [83] وجمع حوله العلماء وشجعهم على ترجمة العلوم من اللغات الأخرى وقد عرب كل من جورجيس بن جبرائيل الطبيب وعبدالله بن المقفع كتب المنطق لأرسطو طاليس واعتنى يوحنا بن ماسويه وسلام الأبرش وباسيل المطران بكتب الطب [84] . وفي عهده قام إبراهيم الفزاري بتعريب كتاب الفلك الهندي الموسوم بـ (السند هند) [85] .
كما استهل أبو يوسف يعقوب الكندي (فيلسوف العرب) وأحد العقول الكبرى في تاريخ العالم آنذاك نشاطه الفكري الذي لم يقتصر على تعريف مواطنيه بالفلسفة الأرسطو طاليسية والأفلاطونية عن طريق الترجمة فحسب بل تعدا ذلك إلى توسيع آفاقهم العقلية بما أخرج من دراسات في التاريخ الطبيعي وعلم الظواهر الجوية مكتوبة بروح تلك الفلسفة [86] .
وقد زادت عناية الرشيد واهتمامه بتعريب الكتب فأمر بترجمة جميع ما وقع في حوزتهم من الكتب اليونانية كما وسع ديوان الترجمة الذي كان قد أنشأه المنصور لنقل العلوم إلى العربية وزاد عدد موظفيها فأسند تعريب الكتب إلى الطبيب يوحنا بن ماسؤيه وعين له كتاباً حذاقاً يشتغلون بين يديه ويساعدونه في عمله [87] . وكان الفضل بن نوبخت المكنى بأبي سهل الفارسي ينقل كتب حكماء الفرس التي جمعت من خراسان وفارس إلى العربية [88] . ومثله علان الفارسي الذي كان يعمل في خزانة الحكمة ويترجم للرشيد وللبرامكة.