ويرى بعض المؤرخين [76] أن وراء عملية التعريب قوى ظاهرة وخفية تحركها نوايا خيرة تريد خدمة العلم والعمل على نشره أو سيئة تريد أن تشيد بماضي الفرس وتراثهم وتعمل على الحط من تراث العرب مضمرة السؤ للمسلمين. ويبدو أن للإزدهار الحضاري ونشاط الحركة العلمية والثقافية دوراً كبيراً في نشاط حركة التعريب فقد أخذ المثقفون الفرس يعربون تراث آبائهم في التنجيم والهندسة والجغرافية وخاصة ممن يجيدون اللسانين الفارسي والعربي ويبدو أنهم قلة بالمقارنة بمن نقل عن اليونانية والسريانية ومرده إلى العلاقة السياسية ومجرى التيار الحضاري.
وقد أقبل كثير من الفرس على حذق اللغة العربية والتثقف بآدابها فقد عجب الجاحظ بموسى بن سيار الأسواري - أحد القصاص - فقال ومن أعاجيب الدنيا كانت فصاحته بالفارسية في وزن فصاحته بالعربية وكان يجلس في مجلسه المشهور فيقعد العرب عن يمينه والفرس عن يساره فيقرأ الآية في كتاب الله ويفسرها للعرب بالعربية ثم يحول وجهه إلى الفرس فيفسرها لهم بالفارسية [77] . ويقول عنهم أحمد أمين أن هؤلاء الفرس الذين تعربوا وهؤلاء العرب الذين أخذوا بقسط من الثقافة الفارسية ملأوا الدنيا في العصر العباسي علماً وحكمة وشعراً ونثراً لسيادة اللغة العربية فكان نتاج العقول الفارسية الراجحة إنما هو باللغة العربية لا الفارسية [78] .