وما ترمي إليه هذه الآية الكريمة من مراعاة لحرمات البيوت، وأوقات الراحة وتنظيم الزيارات غنى عن أن أخوض فيه ولم يكتف القرآن الكريم بهذا بل شرع من قوانين اللياقة والذوق الاجتماعي أنه إذا قيل لنا تفسحوا في المجالس فلنوسع لغيرنا ولا نستأثر بالمكان كله ونضع سوانا في حرج {يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم} .
وليس من اللياقة والأدب الإسلامي الكريم تتكبر على الناس ونصعر لهم خدنا، أو نمشي الخيلاء ونتيه عليهم، أو نكلمهم بصوت مرتفع فيه أمارات السيطرة والغطرسة فكل ذلك مما يبغضهم فينا ويسئ إلى ما بيننا من علاقات، استمعوا إلى قوله تعالى مخاطباً نبيه: {ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور، واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} ، وبحسب هذا الذي يرفع صوته كبراً أن يشبه بالحمار في صوته المنكر. وأيّد الله سبحانه هذه التعاليم في قوله {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} فهؤلاء الذين يمشون على الأرض بتواضع ورفق ولين من غير خيلاء وكبرياء وصفهم الله سبحانه بأنهم عباده ونسبهم إليه فهم عباد الرحمن، وهم الذين يعرضون عن كلام السفهاء فلا يقابلونهم بالمثل، بل يردون عليهم رداً فيه سلامة من أذاهم وفيه ترفع عن السفه.
ولا أريد أن استرسل في ذكر هذه التعاليم الحميدة التي يتصف بها المجتمع الراقي المهذب وتجعل العلاقة بين الناس يسودها الأدب الجم ومراعاة الاحاسيس والمشاعر. ولأنتقل إلى بعض التعاليم التي يجب أن تسود العلاقات الانسانية في المعاملات والتي جعلت المجتمع الإسلامي الأول خير مجتمع رأته الإنسانية في تاريخها الطويل.