ولذلك لم يكن الوالدان في حاجة إلى النصح بحسن معاملة الأبناء والبر بهم، أما الولد فسرعان ما يشب ويكوّن أسرة وقد ينسى في ظل أسرته الجديدة ما عليه من تبعات حيال هؤلاء الذين كانوا السبب في وجوده في هذه الحياة والذين تعبوا من أجله حتى صار قوياً مستقلاً بنفسه، ولذلك كان في حاجة إلى النصح بل الأمر من الله العلي الكريم بالبر بهما والإحسان إليهما، وقد يكونان في كنفه ورعايته وقد بلغ بهما الكبر حداً أعجزهما عن الكسب وقد يتضايق الابن منهما بعد أن صارا عاجزين وهما اللذان انفقا شبابهما وقوتهما في توفير الهناءة له فنهى الله أن يصدر عنه يشعرهما بأنه متضايق منهما برم بحياتهما حتى كلمة (أف) علامة التضجر لا يجوز له أن يتفوه بها، فما بالك بسواها، وكذلك لا ينهرهما ويزجرهما ويرفع صوته أمامهما ولو أتيا ما يوجب ذلك احتراماً لشيخوختهما ورحمة بهما، بل يقول لهما قولاً كريماً فيه سماحة نفس وتقدير لمعروفها وأياديهما عليه، وفيه مودة وبشاشة تسري عنهما وتدخل البشر على قلبيهما العجوزين ولم يكتف الله سبحانه بهذا بل أوجب على المرء أن يتخذ خطوة إيجابية نحوهما، وعبر بذلك التعبير البياني السامي، وهو أن يخفض لهما جناح الذل، أي يتذلل لهما ويتواضع، فلا يعتد بشبابه وبماله ولا يمن عليهما بالانفاق فكل ما يقدمه لهما ليس شيئاً بجانب نعمة الحياة عليه، وبجانب ما قاما به في تنشئته عن محبة ورضى. ثم أمره بأن يدعو لهما بالرحمة في الحياة الدنيا والآخرة، رحمة مثل رحمتهما به وتربيتهما له وإرشادهما له في صغره رحمة تجعل شيخوختهما تمضي في يسر حتى يقضي الله فيهما أمره. ثم وجه الله تهديداً للأبناء بأنه أعلم بما في نفوسهم وما يشعرون به إزاء والديهم. وكأنه يحذرهم من أن يضمروا لهما كراهة أو استثقالاً، وإذا كانت نيتهما صالحة وبرهما يصدر عن محبة لهما واعزاز فإن الله يغفر لهم ما فرط منهم عند حرج الصدر من أذية أو تقصير وفي هذا ما فيه من