فهرس الكتاب

الصفحة 399 من 19127

في التناول الأول خطأ العريض من النقاد القدامى من قال عن الأبيات بأنه ليس تحت ألفاظها كبير معنى، ومشيرًا إلى أن الشعر ليس حكمة أو معنى ذهنيًا فقط إذ قد يكون فنًا يحفل بالوصف والصور والعواطف ويزخر بالحياة (( وأي معنى تراهم كانو ينشدون وراء هذه الأبيات أكثر مما هي حافة به من براعة الوصف إلى افتنان في التصوير إلى حرارة في الشعور؟ إنها لوحة تكاد تنبض بالحياة ) ) [169] ولأن الأبيات قطعة فنية تحمل معنى شعوريًا أكثر مما تحمل حكمة أو معنى ذهنيًا، فإن السبيل الوحيد لتقديرها وتذوقها - كما يرى - هو (( القلب بالتجاوب الشعوري لا ما يشعه العقل بالتجرد الذهني ) ) [170] . هكذا كان تناول إبراهيم العريض لأبيات كُثَير: نقد لرؤية النقاد القدامى إليها. وإشادة بما فيها من فنية جسدتها بارعة الوصف، وروعة التصوير وحرارة الشعور، لكن شيئًا يلفت النظر في حديث العريض عن الأبيات وهو تركيزه على نبض الحياة في الأبيات؛ فقد قال مرة: (( إنها لوحة تكاد تنبض بالحياة ) ) [171] . وقال ثانية: (( هذا الإِحساس الناعم بالحياة التي تفيض به القطعة فيضًا ) ) [172] ، وقال ثالثة: (( إنها - قيل كل شيء قطعة فنية لا تستهدف غاية أبعد من الحياة ) ) [173] . وأعترف أنني أكاد أقف عاجزًا عن استبانة ما يقصده بمثل هذه التعبيرات فهي - في رأيي - من التعبيرات النقدية الغامضة التي لا تضع أيدينا على شيء واضح أو موحٍ على الأقل، إلا أن يكون قد قصد بهذه الحياة تلك الحركة التي تسري في الأبيات، وفي الحركة - على أية حال - حياة ورمز لهذه الحياة، وإلا أن يكون قد عنى هذا الأمل المعانق للمستقبل والذي تومض به الأبيات بما إيماضًا،. والأمل في جوهره إحساس بالحياة بل حياة، ومتى فقد الإِنسان الأمل وتسلط عليه اليأس فقد الحياة في حقيقتها، ألم يقولوا: لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس؟! فعلى هذا وذاك، أي بما يدب في الأبيات من حركة، وبما يشع فيها من أمل - جاء إحساس العريض بما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت