وعليه فإن من أولى واجبات الداعية تجنب ما يعكر هذا الصفو، من هنات وهزات تورث نفرة القلوب ووحشة النفوس، يتجنب في هذا الباب كثرة العتاب والمراء والجدل، وبخاصة إذا شابه رائحة استعلاء وحب تميز وظهور. والتعريض في العتاب مقدم على التصريح مع حفظ الغيبة والثبات على الوفاء وترك الكلف بعيداً عن الأنانية وضيق الأفق والتعلق بصغائر الأمور والإنشغال بها.
وللسلف رحمهم الله في هذا أقوال محفوظة وعبارات مسبوكة تنتصب دلائل ومنائر على ما نحن بصدده.
يقول الحسن رحمه الله:"المؤمن مرآة أخيه إن رأى فيه ما لا يعجبه سدده وقومه وحاطه وحفظه في السر والعلانية، فثقوا بالأصحاب والإخوان والمجالس" [50] .
يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (( ثلاث يصفين لك ود أخيك: أن تسلم عليه إذا لقيته، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب الأسماء إليه. وكفى بالمرء عيباً أن يجد على الناس فيما يأتي أو يبدو لهم منه ما يخفى عليه من نفسه وأن يؤذيه في المجلس بما لا يعنيه ) ) [51] .
ومن أقوال بعض الحكماء: (( من جاد لك بمودته فقد جعلك عديل نفسه، فأول حقوقه اعتقاد مودته، ثم إيناسه والانبساط إليه في غير محرَّم، ثم نصحه في السر والعلانية، ثم تخفيف الأثقال عنه، ثم معاونته فيما ينوبه من حادثة أو يناله من نكبة، فإن مراقبته في الظاهر نفاق، وتركه في الشدة لؤم ) ) [52] .
ويقول عطاء بن أبي رباح رحمه الله:"تفقدوا إخوانكم بعد ثلاث، فإن كانوا مرضى فعودوهم، أو مشاغيل فأعينوهم، أو نسوا فذكروهم" [53] .
ويقول أبو جعفر بن صهبان رحمه الله:"كان يقال: أول المودة طلاقة الوجه، والثانية: المودة، والثالثة: قضاء حوائج الناس" [54] .
وهي كما ترى إشارات عابرة لما ينبغي أن يكون عليه رجل الدعوة من مبادرات ومحاسبة للنفس قبل محاسبة الآخرين أو انتظار عونهم.
بل مهما تأملت وتعمقت فلن تجد في عقد الأخوة وصدق المودة كما صار بين موسى وأخيه في ميدان الدعوة والنبوة.