أبيات كُثَيِّر في رأي قطب ذات مضمون شعوري لا ذهني. ولكل من هذين تعبيره الخاص؛ ينفرد الأول بتعبيره الأدبي والثاني بتعبيره العلمي (( وإذا كانت ميزة التعبير العلمي والتعبير الفلسفي هي دقة الدلالة الذهنية للعبارة، فميزة التعبير الأدبي هي الظلال التي يخلفها وراء المعاني، والإِيقاع الذي يتسق مع هذه الظلال، ويتفق في الوقت ذاته مع لون التجربة الشعورية التي يعبر عنها، ومع جوِّها العام ) ) [164] . ومن هذا المنطلق يذهب قطب إلى أن الدلالة المعنوية للعبارة ما هي إلا عنصر واحد من عناصر دلالتها، بل كثيرًا ما تكون أصغر عنصر في العمل الأدبي، ولهذا لا يجوز أن نكتفي بها [165] عند تقويم نص ما. ومن هنا جاء نقده لابن قتيبة وأبي هلال العسكري بسبب طريقتهما في نثر الأبيات - لأنها - في رأيه - ألغت قيمًا تعبيرية مهمة مثل التناسق والإِيقاع والظلال والصور ولم تُبق سوى المعنى الذهني العام [166] ، في حين أن هذه القيم مؤثرات يكمل بها الأداء الفني [167] . ولا يريد قطب لهذه القيم أن تنفصل أو تتجزأ في العمل الأدبي فهي (( كلها وحدة في العمل الأدبي يصعب انفصالها ) ). وهذا القول يذكرنا بالمنهج الإِجرائي الذي سلكه عبدالقاهر الجرجاني في نقده التطبيقي للأبيات والذين قلنا عنه إنه يطبق ما أسميناه بالوحدة الابداعية للنص. ومع أن سيد قطب قد التقى الجرجاني بشكل ما أو في منعطف ما إلا أننا لا نحس أن سيدًا كرر سلفه، فلسيد قطب رؤيته المستقلة تجاه الأبيات، تلك الرؤية المتكئة إلى نظرية نقدية تثري العمل الأدبي وتستدره بتوظيفها كل جزئياته في كشفه وإدراك سر جماله.