عَقَدَتْ سَنابِكُهَا عَلَيْهَا عِثْيَرًا لَوْ تَبْتَغِي عَنَقًا عَلَيْهِ لأَمْكَنَا
ففي البيت الثاني نرى مبالغةً أخرى من مبالغات المتنَبِّي، وهي وحدها لا تكاد تؤدي معنى، ولكن البحر الذي صِيغَتْ فيه القصيدة يؤدي خَبَبَ [1] الجياد خيرَ أداء، حتى لَيكادُ يريك تَوَثُّبَ الفرسان فوق ظهورها، ولو حاول الشاعر وصف الخَبَبِ في البحر الطويل لما استقامت صورته.
ولِتكرار الألفاظ أو التعبيرات أحيانًا أثرٌ بليغٌ في إبراز الصُّوَرِ، وبَعْثِ الأَخْيِلَةِ؛ ففي قول ابن هانئٍ الأندلسيِّ:
وَفَوَارِسٌ لاَ الهَضْبُ يَوْمَ مَغَارِهَا هَضْبٌ وَلاَ الوَعْرُ الحَزُونُ حَزُونُ
يوحي تكرارُ كَلِمَتَيْ هضب [2] ، وحزون [3] إلى المُخَيِّلَة تتابُعَ الهضاب والرُّبَى أثناء عَدْوِ الفرس، فكأنَّه يعرض أمام العين شريطًا سينمائيًّا متحرِّكًا، أَضِفْ إلى ذلك صَوْغَ البيت في البحر الكامل، واختيار الكلمات الفخمة، وفي قول الأستاذ المازنيِّ:
لَغَطُ اليَمِّ إِذَا اليَمُّ طَمَا وَالْتَقَتْ فِيهِ هِضَابٌ بِهِضَابْ
ترى صورة رائعة لجَيَشانِ اليَمِّ، ولا يرجع هذا إلى معنى البيت وحده، ولكن إلى وزنه وألفاظه كذلك؛ فبحر الرَّمَلِ يُمَثِّلُ الحركة المتضاربة أَدَقَّ تمثيل، وتكرارُ كلمتي اليَمِّ وهِضَاب يوحي إلى المُخَيِّلَة تتابُع اللَّجَجِ، وتكرارُ حرف الهاء ثلاث مرات في الشطر الثاني يَزيد الحركة تصويرًا وبروزًا.