فهرس الكتاب

الصفحة 3961 من 19127

نرى تتابُعَ الصفات بلا فاصل في الشطر الأول، واستعمالَ الألفاظ الضخمة الخَشِنَة في الشطر الثاني يمَثِّلان تَوَثُّب الجواد، وسرعةَ انطلاقه وارتداده، ومفاجآتِ حركاته تمثيلاً جيِّدًا بصرف النظر عن تشبيهه بانحطاط الصخر من شاهق.

وفي قول المتنَبِّي:

أَتَوْكَ يَجُرُّونَ الحَدِيدَ كَأَنَّمَا سَرَوْا بِجِيَادٍ مَا لَهُنَّ قَوَائِمُ

خَمِيسٌ بِشَرْقِ الأَرْضِ وَالغَرْبِ زَحْفُهُ وَفِي أُذُنِ الجَوْزَاءِ مِنْهُ زَمَازِمُ

نرى وصفًا رائعًا لجيش كثيف وَئِيدِ الزحف لكثافته، وليس في البيتين معنى كبير، وليس فيهما سوى مبالغة غير معقولة؛ ولكنه البحر الطويل يمثل هذه الحركة البطيئة أتمَّ تمثيل، هذا فضلاً عن فخامة الألفاظ التي تَخَيَّرَها الشاعر، ونرى البحر الطويل يؤدي مثل هذا الغرض، ويرسُمُ صورةً أخرى رائعة في قول جَمِيلٍ:

وَلَمَّا قَضَيْنَا مِنْ مِنًى كُلَّ حَاجَةٍ وَمَسَّحَ بِالأَرْكَانِ مَنْ هُوَ مَاسِحُ

أَخَذْنَا بِأَطْرَافِ الأَحَادِيثِ بَيْنَنَا وَسَالَتْ بِأَعْنَاقِ المَطِيِّ الأَبَاطِحُ

فهنا حركة الإبل البطيئة واضحة ماثلة، وقد كان جميلٌ ملهمًا، حيث ذَكَرَ كلمة أعناق في البيت الثاني، فإنها وَحْدَهَا تَرْسُمُ الصورة التي أراد؛ فإنَّ ذكر الجزء الأهمِّ منَ الصورة كثيرًا ما يبعث إلى المُخَيِّلَة باقيَ الأجزاء، ويُبْرِزُ الصورة جَلِيَّةً كاملة، ويترك البحرُ الطويل مِثْلَ هذا الأثر أيضًا في قول البارُودِيِّ الذي أشار إليه الدكتور صبري في كتابه عن الشاعر:

وَنَبَّهَنَا وَقْعُ النَّدَى فِي خَمِيلَةٍ

فإذا قُرِئ هذا الشطر بِتَأَنٍّ وجدنا الوزن يُمثِّل تساقُط قطرات الندى متتابعةً، أما الحركة السريعة فيمثلها البحر الكامل، ومن ذلك قول المتنَبِّي:

أَقْبَلْتَ تَبْسِمُ وَالجِيَادُ عَوَابِسٌ يَخْبَبْنَ بِالحَلَقِ المُضَاعَفِ وَالقَنَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت