فهرس الكتاب

الصفحة 3963 من 19127

كان ذلك في الغالب كما ذكرتُ محضَ اتفاق أو إلهام، ولم يقم في العربية فردٌ أو مدرسة تتوفَّرُ على هذا الضرب منَ النظم والتصوير؛ وإنَّما حين اتَّجه نظر الشعراء إلى اللفظ صادَفَ ذلك عصرَ انحلال الأدب؛ فلم يُسَخِّروا اللفظ لإبراز المعنى؛ بل صرفوا كلَّ همهم إلى اللفظ دون المعنى، ووُلِعُوا بالألاعيب اللفظيَّة التي سمَّوْهَا محسناتٍ، وأَوْغَلُوا هذه الغُثاثاتِ على أَجَلِّ فنون الشِّعر خَطَرًا؛ كالرثاء والنَّسِيبِ، فأَسِفَتْ وانعدم فيها الحِسُّ والشعور، فرأينا شاعرًا ينسب فيقول:

نَاظِرَاهُ فِيمَا جَنَى نَاظِرَاهُ أَوْ دَعَانِي أَمُتْ بِمَا أَوْدَعَانِي

وآخَر يتوجَّع فيقول:

لِي مُهْجَةٌ فِي النَّازِعَاتِ وَعَبْرَةٌ فِي المُرْسَلاَتِ وَفِكْرَةٌ فِي هَلْ أَتَى

وثالث يمدح فيقول:

وَإِنْ أَقَرَّ عَلَى رَقٍّ أَنَامِلَهُ أَقَرَّ بِالرِّقِّ كُتَّابُ الأَنَامِ لَهُ

وليس في كلِّ هذا تعبيرٌ عن شعور أو أداءُ غَرَضٍ، وما هو إلا عَبَثٌ بالألفاظ، واقتناصٌ للجناس والطِّباق والسَّجْعِ والتورية، وإنما أكثَرْتُ من هذه الأمثلة الغَثَّةِ؛ لأُوَضِّحَ كمْ كان الشِّعر العربي يربح لو أنَّ المجهوداتِ التِي صُرِفَتْ في مثل هذا التحايُل العقيمِ وُجِّهَتْ إلى تسخير اللفظ لِلمعنَى، والاستعانة بِهما معًا على إبراز الوصف المقصود؛ كما يصنع شعراء الغرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت