وكان كثير من شُيوخ الأزهر من المتبحّرين في علومهم الدينية واللغوية، مع تبحُّر في علوم الطبِّ، نذكر منهم العلامة شيخ الأزهر أحمد بن عبدالمنعم الدمنهوريّ المتوفى سنة 1192 هـ صاحب كتاب"القول الصريح في علم التشريح"، والعلامة شيخ الأزهر حسن بن محمد العطار المتوفى سنة 1834 م، وله رسائل عدَّة في الطب وعلم التشريح.
ولولا ضِيق المجال لتَوَسَّعْنَا في إيراد الشواهد والأدلة على أن المسلمين قد ساهموا إسهاماتٍ واسعةً في علم التشريح والفسيوليجا، وأن الأطباء والفقهاء كانوا متفقين متعاضِدِينَ، ولم يكونوا في حرب شعواء؛ كما يدَّعي بعض الغربيين وأتباعهم من أمثال الدكتور بول غليونجي؛ بل كان الأطباء على اطِّلاع على علوم الدين، وكان الفقهاء والمحدثون على اطلاع على علوم الطب.
وكانت علوم الطب في كثير من الأحيان تدرس في المساجد الكبيرة (بما في ذلك علم التشريح) ، وكان ابن رشد الطبيب الفيلسوف الفقيه يدرس الطب والفقه في جامع قُرْطُبَةَ، كما كان عبداللطيف البغداديّ يدرس شتى العلوم من حديث، وفقه، وطب في الجامع الأزهر.
وتذكر وثيقة وقف حسام الدين لاجين تخصيص أموال وأوقاف لتدريس الطب في جامع أحمد ابن طولون بالقاهرة.
واتَّسع في عهد السلاجقة، ثم عهد الأتراك العثمانيين إقامة مُجَمَّعات ضخمة، تحوي الجامع الكبير، والمدرسة، والمستشفى، ولا يَزال الكثيرُ منها باقيًا في تركيا إلى يومنا هذا، وقد كانت تُوقَفُ لها الأوقافُ الضخمة، ويتعلم الطلبة الطّبَّ، كما يتعلمون الفقه، والعلوم الدينيةَ واللغويةَ، ثم تأتي سنواتُ الدّراسات العملية في المستشفى تحت إشراف كبار الأطباء.