يقول أبو بكر محمد بن زكريا الرازي المتوفى سنة 322 هـ صاحب"الحاوي"و"المنصوري":"أول ما يُسْأَل عنه الطالب: التشريح، ومنافع الأعضاء، وهل عنده عِلْم بالقياس، وحسن فهمٍ ودرايةٍ في معرفة كُتُب القدماء، فإن لم يَكُنْ عِنده علمٌ فليس بك حاجة إلى امتحانه في المرضى" [16] .
ويقول:"يحتاج في استدراك علل الأعضاء الباطنة إلى العلم بجوهرها أولاً، بأن تكون قد شوهدت بالتشريح" [17] .
ويقول أبو القاسم خلف بن العباس الزهراوي في كتابه الفريد:"التصريف لمن عجز عن التأليف":"وينبغي لصاحبها - أي الجراحة - أن يَرْتَاضَ قبل ذلك في علم التشريح، حتى يقف على منافع الأعصاب، والعضلات، وعددها، ومخارجها، والعروق، والقوابص، والسواكن، ومواضع مخارجها؛ لأنه من لم يكن عالمًا بما ذكَرْنا من التشريح، لم يخلُ أن يقع في خطأ يقتل الناس به؛ كما شاهدتُ كثيرًا ممن تصور هذا العلم وادَّعاه، بغير علم ولا دراية، وذلك أني رأيتُ طبيبًا جاهلاً قد شقَّ على ورم ختوري في عنق امرأة، فأصاب بعض شريانات العُنُق فنزف دم المرأة حتى سقطت ميتة" [18] .
وكان من ضِمْن الشروط الَّتي يَضَعُها المحتسِب - وهو الذي يعطي الترخيص بمزاولة مهنة الطب وغيرها من المهن - أن يعرف مَنْ يريد مُمارسة الطب علم التشريح، ووظائف الأعضاء.. وقد ذكر الشيرازي في كتابه"نهاية الرتبة في طب الحسبة":"أن الطبيب هو العارف بتركيب البدن ومزاج الأعضاء"، وأوجب المحتسب على الفصَّادين والحجَّامِين ألا يتصدى للفَصْد إلا من اشتهرت معرفته بتشريح الأعضاء، والعروق، والعَضَل، والشرايين، وأحاط بمعرفة تركيبها، وكيفيتها؛ لِئَلاَّ يقع المِبْضَع في عِرْق غير مقصود، أو في عضلة، أو شريان، فيؤدي إلى زمانة العضو، وهلاك المَفْصُود.
وطلب المحتسب من الكحال - طبيب العيون - أن يكون عارفًا بتشريح طبقات العين السبعة، وعدد رطوباتها الثلاث.