بهذا نصل إلى نهاية رؤية النقد العربي القديم إلى أبيات كثير. ونقر أن ما يثير الإِعجاب منها موقفان لا يخلوان من تشابه وهما موقفا ابن جني وعبدالقاهر الجرجاني من الأبيات وطريقة تناولهما إياها. هذا التناول الذي يدفعنا إلى الزعم بأن هذين الناقدين يلتقيان مع الأسلوبيين أو يلتقي معهما الأسلوبيون في غير واحدة من سمات النقد الأسلوبي [151] ، فكلاهما استفاد كثيرًا من توظيفه أو عدّه اللغة أحد الأبعاد المثرية والمثمرة لدراسة النص. وكلاهما أخضع الأبيات للتحليل، والبحث عن العلاقات بين الدوال والمدلولات بعيدًا عن الوصف والمعيارية الجامدة. كلاهما بحث عن المعنى، بل درس (( طريقة التعبير ) )عن الفكر من خلال اللغة. وكلاهما قام برصد انحراف عن المألوف في التعبير: ابن جني رصد لنا انحرافًا في (( أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ) )عما هو مألوف في ذكر الحديث مرسلًا لو قال: (( أخذنا في أحاديثنا ) )فقد قيد الأحاديث بأطراف، وهو مما جسد للنص معنى عاليًا متقدمًا في النفوس كما يقول ابن جني [152] . والجرجاني رصد لنا انحرافًا في (( سالت بأعناق المطي الأباطح ) )حين أسند الفعل (( سال ) )إلى الأباطح لا إلى المطي لو قال (( سالت المطي في الأباطح ) )إذ لو فعل لكانت استعارة عادية مألوفة. وإذا كان النحو عملية أساسية في الرسالة الإِبداعية كما يرى الأسلوبيون [153] . وفإن عبدالقاهر يتخذ من النحو متكأً رئيسًا لنظريته في النظم وكلاهما اعتصر إمكانات النص التعبيرية مقدمةً وتفسيرًا في الوقت نفسه لجمالياته، وفاعلياته ووظائفه، وهذا شيء حفظ له (النص) رواءه ونضارته. وأخيرًا فكلاهما اندمج في النص وأبدى معه تعاطفًا واضحًا سهل لهما الولوج إلى أعماقه واكتشاف كثير من أسراره. ولا أنسى أن أنوِّه - أيضًا - ببعضٍ من تناول أبي هلال العسكري الأبيات؛ فقد أجالها في أفق نقدي دفعني إلى التساؤل عما إذا كان هذا الناقد العباسي يُعد سابقة بنيوية [154] في النقد العربي