فهرس الكتاب

الصفحة 390 من 19127

ابن رشد يقر لأبيات كثير بالشعرية وبأن لها فعل الشعر وأنها من الأشعار المحركة (( وأنت إذا تأملت الأشعار المحركة وجدتها بهذه الحال - يشير إلى حالة الأبيات التي استشهد بها، وأبيات كثير من ضمنها - وما عدا من هذه التغييرات فليس فيه من معنى الشعرية إلا الوزن فقط ) ) [150] فمن أين اكتسبت (( ولما قضينا ) )شعريتها؟؛ كما نلحظ من رؤية ابن رشد، لم تتلبس الشعرية هذه الأبيات بسبب معنى مفيد تحويه أو فكر تتضمنه، وهذا يلفت الانتباه، فابن رشد يُحسب من المفكرين الذين يُتوقع تَطلُّبهم في الشعر فكرًا أو معنى مفيدًا. وإنما اكتسبت الأبيات شعريتها عنده بابتعادها عن المباشرة التعبيرية. نفهم هذا من تعليقه السابق: (( وإنما صار شعرًا من قبل أنه استعمل قوله: أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المطي الأباطح، بدل قوله: تحدثنا ومشينا ) )فالعبارة الأولى (( أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ) )ابتعدت عن المباشرة بإيحائيتها، وابتعدت الثانية باستعارتها. الأبيات عند ابن رشد لا تختزن معنى محددًا مفيدًا ولكنها محركة تخلق انطباعات وأحاسيس مما يذكرنا بواحد من مبادئ الرمزيين في الشعر. وابن رشد لم يتناول الأبيات في إطار قضية اللفظ والمعنى كما فعل كثير من القدامى. وشعريتها عنده لم تكن بسبب لفظ أو معنى وإنما بسبب أسلوبية تعبيرية خاصة نقلتها عن القول الحقيقي إلى الشعري وأوجدت لها فعل الشعر. وهذا مقياس يقربه من ميدان عبدالقاهر الجرجاني الذي لا يرى جمال الشعر في الألفاظ فقط أو في المعاني فقط وإنما في تلك الطريقة التعبيرية الخاصة التي يطلق عليها (( النظم ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت