فقد جاءك الحسن والإِحسان، وقد أصبت ما أردت من إحكام الصنعة وعذوبة اللفظ )) [146] ولعل القاضي الجرجاني أراد أن يشير بقوله (( إحكام الصنعة ) )إلى سلامة البيت وخلوه من حشو الكلام ومما لا فائدة للشعر في ذكره، فقد أدرج البيت في قسم (( الحشو في الشعر ) )وما أشار إليه الجرجاني القاضي هو ما نص عليه صراحة الجرجاني عبدالقاهر كما مر بنا، أما حديث العباسي عن الاستعارة فلا نلمس فيه جديدًا غير ما قاله عبدالقاهر فيها، أي إن ما قاله العباسي هو ما قاله عبدالقاهر إما بحرفه وإما بمعناه، تلك كانت طريقة العباسي والقاضي الجرجاني في تناولهما استعارة كثير، وتلك كانت رؤيتهما إليها: رؤية مجتزئة في بعضها لم تحلل ولم تعلل، ومكررة لم تضف في بعضها الآخر. ولقد ذكرنا ما قاله هذان الناقدان ليتضح لنا ما تميز به تناول عبدالقاهر لاستعارة كثير تلك، وهو أن تناوله هذا جاء امتدادًا لرؤيته الأبيات في إطار الصورة بمفهومها الشامل عنده، وفي شكل متكامل البناء والنظم. ونرجح أن هذا قد أتى متوافقًا مع إحدى رؤاه النقدية التي يتجاوز فيها في بعض الحالات حدود البيت إلى النص كاملًا متكامل الإِبداع، أو ما يمكن أن نسميه وحدة النص الإِبداعية، هذه الوحدة التي لا تتيسر إلا بتلاحق أجزائها وانضمام بعضها إلى بعض كما يرى عبدالقاهر: (( واعلم أن من الكلام ما أنت ترى المزية في نظمه والحسن كالأجزاء من الصبغ تتلاحق وينضم بعضها إلى بعض حتى تكثر في العين، فأنت لذلك لا تكبر شأن صاحبه ولا تقضي له الحذق والأستاذية وسعة الذرع وشدة المنة(القوة) حتى تستوفي القطعة وتأتي قدمها. وكون عبدالقاهر لم يعتمدها قاعدة نقدية في جميع الحالات لا يقلل من قيمتها، فهو واقع كثيره في أسر وحدة البيت وتكفيه هذه الإِضاءة التي أحدث بها انفراجًا في هذا الأسر وإرخاءً له [147] .