فهرس الكتاب

الصفحة 387 من 19127

يبدو أن رحلتنا مع عبدالقاهر الجرجاني قد طالت، لكن إحساسنا بهذا الطول لم يكن حادًا ولا مملًا، ففي الرحلة متعة النقد وفائدته اللتان أفدناهما منه، إلى جانب الصبر عند النقد والإِخلاص فيه، وإلى جانب ما لمسناه عنده من مجاهدة نقدية تطبيقية حاول بها ومن خلال أبيات كثير التدليل على ما يذهب إليه من أن سر جمال النصوص الأدبية إنما يكمن في النظم، في انصهار الشكل والمضمون والتحامهما بعضهما مع بعض، في أبيات كثير لا وجود مستقلًا للمعنى كما لا وجود مستقلًا للفظ، وهؤلاء الذين أرجعوا جمالها إلى اللفظ إنما هم - في رأيه - متسرعون واهمون. ولهذا تساءل - في استغراب وإنكار - بعد تحليله النقدي للأبيات قائلًا: (( هل بقيت عليك حسنة تحيل فيها على لفظة من ألفاظها [141] ؟! ) )بل إنه يرفض أن يُجعل من الألفاظ وحسنها قياسًا أوحدَ لمثل أبيات كثير، إذ من حق هذا اللون من الشعر - كما نفهم من قول الجرجاني [142] - أن يتخذ دليلًا على تناصر المعاني، وتفاعلها بعضها مع بعض، ودليلًا على تزايد حسنها بتناسق أشكالها، وبالبراعة في صياغتها على نسق خاص طبقًا لما بينها من تقارب فكري ساعة الإِبداع، وتجاور أو تجانس ساعة التلقي.

ونود أن نذكر - قبل الفراغ من هذا المبحث - أن من النقاد القدامى من تناول الصورة الاستعارية في (( وسالت بأعناق المطي الأباطح ) )مثل القاضي الجرجاني (ت366هـ) في الوساطة [143] ، ومثل العباسي (ت963هـ) في معاهد التنصيص [144] لكن تأول هذين جاء محصورًا في إطار الصورة الاستعارية كما أشرنا حين اجنزأا البيت المشتمل على الاستعارة فتحدثا عنها. هذا من جانب، ومن جانب آخر فقد كان حديث القاضي الجرجاني عنها من جنس النقد الوصفي المفتقر إلى التحليل والتعليل إذ قال: (( فإذا جاءتك الاستعارة كقول ابن الطثرية ) ) [145] .

أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المطي الأباطح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت